خالد الأنصاري
ليس رثاء الشقيق كرثاء غيره من سائر الأحبة؛ فالشقيق ليس شخصًا عبر الحياة إلى جوارنا، وعاش معنا فقط؛ بل هو جزء من الذاكرة، ورفيق في البدايات، وصانع الذكريات، وشاهد على مراحل العمر، يحمل معنا صور الطفولة، وهموم الأسرة، وأحاديث البيت، وما تتابع من السنين؛ حتى إذا غاب، غاب معه شيء من ملامح العمر نفسه.
ولعل أصدق الرثاء ما كان نابعًا من تجربة عاشها المرء، لا من صناعة العبارة؛ إذ تعجز الكلمات أحيانًا عن حمل ما في القلب من فقد، فيأتي الرثاء صادقًا بقدر صدق العلاقة، عميقًا بقدر عمق الذكريات، ومؤثرًا بقدر ما ترك الراحل من حزن وأثر.
ومن أشهر ما حفظه الأدب العربي من رثاء الأشقاء؛ رثاء الخنساء لأخيها صخر؛ فقد كان صخر عندها أكثر من أخ، وكان سندًا وموئلًا ومحل وفاء عند أخته، ولذلك ظل فقده جرحًا مفتوحًا في شعرها، حتى غدا رثاؤها له، من أخلد نماذج الرثاء العربي.
ولم يكن سر خلود شعرها في جزالة ألفاظه، بقدر ما كان في صدق العاطفة، والتي جعلت قصائدها صورةً حيةً لألم الفقد، ووفاءً لا تخف حدته مع تقادم الأيام.
وقد اشتهرت الخنساء بقولها في رثاء أخيها صخر:
وإن صخرًا لتأتم الهداة به
كأنه علم في رأسه نار
فهي لا تبكي شخصًا غاب عنها بموته فقط، وإنما تستحضر صفاته ومكانته وأثره في الناس، وكأنها تريد أن تقول إن الموت غيب الجسد، لكنه لم يستطع أن يمحو سيرته وذكرياته وصفاته الحميدة.
وفي تراثنا العربي والإسلامي نماذج أخرى، من رثاء الإخوة والأهل، حيث يتحول الحزن إلى شهادة للراحل وذكر مآثره، وتتحول الذكرى إلى وفاء، ويغدو الرثاء حفظًا لمكانة من رحلوا.
فالرثاء في أرقى صوره ليس بكاءً على الماضي؛ بقدر ما هو إبقاء للجميل حاضرًا في الذاكرة، وتسجيل لما كان للراحل من أثر في حياة من عرفوه وأحبوه وعاشروه.
ومن هذا المنطلق يأتي رثاء الأستاذ خالد المالك لشقيقته زينب -رحمها الله- وهو رثاء يستمد قوته من خصوصية العلاقة التي جمعتهما منذ الطفولة، ومن عمر طويل تشاركا فيه تفاصيل الحياة، بحلوها ومرها.
فهو لا يرثي شقيقةً عرفها في مراحل متأخرة من العمر، وإنما يرثي رفيقة طفولة؛ تكبره بعامين، جمعتهما غرفة واحدة، ولهو الطفولة وذكرياتها، وكأن لسان حاله يقول:
تسير قوافل الأيام تمضي
بأحلام الطفولة والسنين
ويمضي العمر عامًا تلو عام
لنسعى فيه حينًا بعد حين
وتمضي حكمة الرحمن فينا
على الدنيا ونرحل في سكون
فيا الله للجنات سقنا
وقل للأمنيات الخضر كوني
حتى جمعهما المرض في صغرهما، فكان السفر إلى جدة طلبًا للعلاج صفحة أخرى من صفحات حياة مشتركة، امتدت آثارها حتى آخر العمر.
وهنا تكمن قيمة هذا الرثاء؛ إذ لم يجعل الأستاذ خالد من الحزن مناسبةً للإفراط في المديح، وإنما استعاد شخصية شقيقته من خلال مواقفها وطباعها، وما عرفه عنها أهلها وأقرباؤها.
وقد وصف شقيقته زينب -رحمها الله وغفر لها- بالوداعة والمحبة، وبهدوء الطبع ووقار الحديث، وبالتواضع وإنكار الذات، وأبرز قدرتها على أن تمنح من يجالسها شعورًا خاصًا بالقرب والمكانة.
ومن أجمل ما في رثائه أنه كشف عن معنى دقيق في شخصيتها: أنها كانت محبوبة الأسرة كلها، لا لأنها كانت تخص أحدًا بمزيد من المحبة على حساب الآخرين، وإنما لأنها كانت تمنح الجميع من عاطفتها واهتمامها ما يجعل كل واحد منهم يشعر أنه الأقرب إليها، وهذه خصلة لا يبلغها إلا من اتسع قلبه للناس، واستوى عنده الأحبة في ميزان الوفاء.
ثم ينتقل الرثاء من وصف الشخصية إلى استحضار قيمة الصبر؛ فيكشف عن سنوات طويلة من المرض، وكثرة التردد على المستشفيات، ومع ذلك كانت زينب - رحمها الله - تتلقى آلامها بصمت الراضي والمحتسب، ولا تريد أن تجعل من مرضها عبئًا نفسيًا على من يحبونها.
وحين يسألها أهلها عن ألمها ونومها وطعامها، لا تكاد تسمع منها إلا ما يطمئنهم، وكأنها كانت تخفي وجعها لتريح قلوبهم.
وهنا يصبح المرض نفسه جزءًا من فضائلها؛ إذ لم تكن عظمتها في احتمال الألم، وإنما في ستر الألم عن الآخرين حتى لا يحزنوا ويتألموا:
أحنا القلوب التي تخفي توجعها
كي لا يمسك من آلامها الألم
ويستوقف القارئ كذلك ما ذكره عنها في رثائها من قوة الذاكرة، وما كانت تستعيده من حكايات وأحداث وطرائف، فتجعل من مجالسها مساحةً تستعيد فيها الأسرة شيئًا من ماضيها، وعبق ذكرياتها العذبة، ولسان حاله يقول لها:
يا راحلين بعذب الذكريات قفوا
ردوا علي بـقايا الروح وانـصرفوا
لا تـتركوني على الأعـتاب منتظراً
وأنصفوني من الأشواق وانتصفوا
لي فيكم قصة في الحب دامية
وكلما قلت تمت عادني الشغف
أحيا بها شوق يعقوب ليوسفه
لكنني بقميص الوهم ألتحف
هذا قليل من الأوجاع بحت به
وما أداريه عنكم فوق ما أصف
وكأنها -رحمها الله- كما وصف عن ذاكرتها لم تكن تحفظ القصص فقط، بل تحفظ معها أجزاءً من تاريخ العائلة، فإذا رحلت رحل معها بعض ذلك الأرشيف الإنساني، والذي لا تحفظه الكتب ولا الصور.
ولعل أكثر ما يضيء شخصية زينب -رحمها الله- ما ذكره شقيقها عن أمومتها المبكرة؛ فقد كانت، قبل أن تصبح أمًا لأبنائها، أمًا لإخوتها في غياب والدتهم، تحمل عنهم شيئًا من الرعاية والمتابعة، وتتحلى بنضج مبكر، جعلها أكبر من مشاحنات الطفولة ومشاكساتها، وهنا لا يرسم الرثاء صورة امرأة رحلت عن الدنيا، وإنما يرسم سيرة تربية وعطاء امتدت آثارها في الأسرة.
ولهذا جاء ختام الرثاء بالغ الدلالة؛ فالأستاذ خالد المالك لا يقول إن الأسرة ستفقد جلساتها وحسب، وإنما يؤكد أن الغياب لا يستطيع أن يسلبهم إرثها الأخلاقي والتربوي: التواضع، والمحبة، والإيثار، والإنسانية، واحترام الكبير والصغير، والشهامة، والكرم، والسؤال الدائم عن أحوال الآخرين.
وحين يستطيع الكاتب أن يحول مرثيته إلى شهادة حق في أخلاق الراحل ومواقفه، فإنه لا يرثيه وحده، بل يحفظ جانبًا من سيرته للأجيال.
فالميت لا يحتاج إلى كثرة الكلمات بقدر ما يحتاج إلى صدق الدعاء، والراحل لا يخلد بكثرة البكاء عليه، وإنما بما يتركه في النفوس من أثر صالح وسيرة حسنة.
لقد كتب الأستاذ خالد المالك عن شقيقته زينب من موضع الأخ الذي فقد رفيقة عمر، ولذلك جاءت كلماته أقرب إلى حديث القلب منها إلى مرثية مصنوعة.
وبين الخنساء وصخر، وبين نماذج الرثاء التي حفظها لنا الأدب العربي، وبين خالد المالك وشقيقته زينب، يظل المعنى واحدًا: أن بعض الغياب لا يغلق باب الذكرى، بل يفتحه على اتساعه، وأن الشقيق حين يرحل يأخذ معه شيئًا من أيامنا، لكنه يترك لنا ما هو أبقى: صورته في الذاكرة، وأثره في التربية، وسيرته بين الناس:
يا رب حي رخام القبر مسكنه
ورب ميت على أقدامه انتصبا
رحم الله زينب بنت حمد المالك، وغفر لها، ورفع درجتها في المهديين، وأخلفها في عقبها في الغابرين، وجبر قلوب أهلها ومحبيها، وجعل ما أصابها من مرض وتعب وصبر واحتساب رفعةً في درجاتها وتكفيرًا لسيئاتها.
وما أجمل أن يختم رثاء الأشقاء بما ينبغي أن يكون خاتمة كل حزين مؤمن:
نبكي من أحببنا لأن الفقد موجع، ونذكرهم لأن الوفاء لا يموت، وندعو لهم لأن الدعاء هو أجمل ما يملكه الأحياء لمن رحلوا.
رحم الله الأخت زينب، وألهم أخاها الأستاذ خالد المالك وإخوانها وأهلها الصبر والسلوان، وجمعهم بها في دار لا فراق فيها ولا وجع، {إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}.
إضـاءة
قال أستاذنا القدير/ حمد القاضي: أصدق الكتابات حروف الرثاء، واليوم قرأت مقال الأستاذ خالد المالك بالجزيرة، في رثاء شقيقته زينب المالك -رحمها الله- المقال يفيض شجناً، وهي الأخت التي وصفها بالحكمة، ومحبة الجميع، أسكنها الله الجنة، وجمعها بأحبتها فيها.