محمد بن عبدالله آل شملان
تلك القامة التي نبتت في شرايين الكلمة، المنيعة على الطمس والنسيان، تشرق اليوم الذكرى الـ 16 بملامح غازي القصيبي، محملة ببلسم الوجد وباعث الروح في جسد الوطن، كأنه موعد مضروب في عمق الضمير الإنساني. ها هو اليوم يستوطن الغياب بحضور يفوق الموت، فالمبدعون العظام الذين نقشوا على جدار الزمن حلم الطفولة يظلون أحياء؛ لأنهم وضعوا الإنسان والكلمة في ذروة الاهتمام. لقد كان غازي يؤمن بعمق أن الموت لا يطمس المبدع، بل يخلده، وكأنه يهمس لنا بمقولته الوجدانية: «عندما يموت الأديب، تولد كتاباته من جديد، وتصبح ملكاً لكل قلب نابض». لذلك، يستقر طيفه اليوم حلماً ووعياً في صدر الوطن، شمالاً جهة القلب.
لم يكن غازي القصيبي عابر سبيل في ذاكرة الإبداع العربي، بل كان تلك النخلة الباسقة التي نبتت من قلب الطين والرمال، لتمد ظلالها شجرة عملاقة من العطاء الإنساني.
لقد عاش غازي منكباً على صياغة فضاءات تتسع لكل الساعين نحو شمس المعرفة، ليجعل من كل سطر خطّه ليس مجرد إرث أدبي، بل معزوفة حب على قيثارة الحياة. وحين يلوح طيف غازي، تتسارع الدماء في عروق الحرف دون وهن؛ فالإبداع لديه كان التزاماً صادقاً بالبشر والتراب، وهو الذي قال يوماً بلسان المحب المخلص: «بين وعورة الموقف وعذوبة الكلمة، يكمن صدق المثقف، ولا قيمة لوعي لا يلامس آلام الناس وآمالهم». واليوم، نستلهم من ملامحه وقصائده صفحات من وعي حي، لنرى كيف يكون المثقف منارة تتجلى، تاركاً للأجيال رجلاً ملأ الدنيا، كان يرى في وطنه الحب الأكبر، متمثلاً كلماته الشهيرة: «الوطن هو رغيف الخبز والسقف والانتماء، والقصيدة التي لا تنتهي».
يا غازي.. يا أيها الراحل المقيم في مسارب الروح، والمعافى من النسيان، ها نحن نقف اليوم على أطلال الغياب، لا لنرثيك، بل لنرثي طمأنينة الحرف من بعدك، ونبكي قامةً هزّت بجذعها فوق تراب الوطن، فتساقطت كلماتها رطباً جنياً أحيا القلوب. نقف في محراب غيابك والوجع يملأ الصدر، مستحضرين ذلك الصوت الممتد عبر الفيافي، الشاعر الذي لم تنحنِ قامته يوماً. كيف للتراب أن يواري غيمةً أمطرت في كل وادٍ أدباً، وفكراً، وإنسانية؟! لقد مضيت يا غازي نحو غاياتك البعيدة، وتركتنا نتهجى من بعدك معجم الفقد، بعد أن علمتنا برحيلك صدق مقولتك المؤثرة: «الوداع الحقيقي ليس في غياب الجسد، بل في انطفاء الأثر، وأثر المبدع نور لا يطفئه غبار القبر».
نحن في كل 15 أغسطس لا نتذكرك، لأنك لم تغادرنا أصلاً، بل نستدعي طيفك كلما ضاقت بنا العبارة، وعزّ علينا اللقاء بوعي يشبه وعيك، ونبل يضاهي نبل عزمك. نم قرير العين يا حبيب القصيدة والوطن، فنورك ما زال يتسلل في أعماقنا، دافئاً كالحلم، وباقياً كالأثر، وعصياً على النسيان ما دامت في الصدور قلوب تنبض بحبك.