علي الخزيم
= تُشرِق كُنية (أم عَمْرو) بكثير من عيون الشعر العربي؛ وبعيون الشعراء قبل الإسلام وبعده؛ بل ربما كانت الاستهلال للقصيدة غزلًا ورثاء وفخرًا، ونالت الكُنية حظوة لدى الشعراء لم تكن لغيرها بهذا الاحتفاء، كان حضورها لافتًا في ثنايا القصيد وبمحافل الشعر، وكانت ترد كُنيَة حقيقية لامرأة عربية معروفة أو نابهة مشهورة؛ وقد تكون معشوقة لمُتَيَّم أضناه الوجد، أو هي أم لملك وسيّد من سادات العرب؛ وربما كانت شاعرة ومن ذوات الأحلام والرأي السديد، كل هذه المسارات استحضرت كنية أم عمرو المحببة؛ غير أن قليلًا من الأمثلة والقصص العربية لَمْ تكن لتمتدح أم عمرو بل كانت لذمها لمواقف طارئة عكّرت حياتها مع من ذمها، وجاءت الكنية كثيرًا كخطاب عام لا يعني وجود أم عمرو حقيقية؛ ومنهم مَن يتحاشى ذكر الاسم الحقيقي للمرأة المخاطبة بالقصيدة فيبهمه بأم عمرو.
صَبَنْتِ الكَأْسَ عَنَّا أُمَّ عَمْرٍو
وَكَانَ الكَأْسُ مَجْرَاهَا اليَمِينَا
أم عمرو هنا هي والدة عَمْرو بن كلثوم صاحب المعلقة المشهورة التي ضمنها البيت أعلاه؛ وهي (ليلى بنت المُهلهل عَدي بن ربيعة)؛ وقالوا: لُقِّب بالمُهلهِل لأنه أول مَن هَلهَل الشِّعر ورقَّقه؛ وقيل غيره، ومِمَّن كُنِّيَت بأم عمرو: الخنساء (تُمَاضِرُ بِنْتُ عَمْرِو السُّلَمِيَّة) وجاء اللقب (الخنساء) لقصر أنفها وارتفاع أرنبته كأنف الظبية، هي مِن أشهر شاعرات العرب حتى بعد إسلامها؛ وعرف عنها مخاطبتها لعينيها بقصائدها لمصابها الجَلَل بفقد أحبتها ولا سيما أخوها (صَخر):
يا عَينِ جودي بدَمعٍ منكِ مَسكُوبِ
كلؤلؤٍ جالَ في الأسْماطِ مَثقوبِ
ومِمَّن كُنّيت بأم عمرو: أم عمرو بنت جُندب الدَّوسيّة؛ وهي زوج الخليفة الراشد عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، وأنجبت منه عمرو وإخوته، أبوها الصحابي جُندب بن عمرو الدوسي؛ استشهد بمعركة أجنادين، وكأمثلة لما يرد بأشعار العرب من حضور وتصدّر لأم عمرو؛ قول هُدبة بن الخَشرم:
سقى أم عمرو والسلام تحية
لها منك والنائي يود وينصح
وقول بشّار بن برد:
جمعتِ القلبَ عندك أمَّ عمرو
وكان مطّرحًا في كل واد
وقول ناصف اليازجي:
وما كل امرئ يا أم عمرو
بمحمود إذا هتف المنادي
= ولأم عمرو قصة قديمة مُتخيَّلة طريفة؛ فقد كانت أم عمرو المزعومة سليطة اللسان؛ تتنقَّل بالحي وتشتم هذا وتسب ذاك، وكانت خاتمة تَجَنّيها عند رجل بالحي يملك حمارًا؛ غير أنه حين بدأت بالتحرش به لزم الصمت والهدوء حتى أغاظها ورفع ضغطها فغُشِي عليها؛ فكان حماره وسيلة لنقلها لمَن يعالجها؛ وقالوا:
إذا ذهب الحمار بأم عمرو
فلا رجعت ولا رجع الحمار!