مجيب الرحمن بن عثمان العمري
كنتُ في مرحلة من حياتي شديد التمسك ببعض أفكاري ومواقفي، أتعامل معها وكأنها الحقيقة التي ينبغي للآخرين أن يروا الحياة من خلالها. لم أكن أقبل المساومة عليها، وكنت أصنّف الناس وفق ما يؤمنون به؛ من اقترب من أفكاري اقتربت منه، ومن خالفني ابتعدت عنه، وربما دخلت معه في صراع طويل لمجرد أنه لم ير الأشياء كما أراها.
كنت أظن أنني أدافع عن قناعاتي، ولم أكن أدرك أن بعض القناعات حين تتحول إلى جدار بين الإنسان والإنسان تصبح عبئًا على صاحبها، مهما كان يظن أنه يدافع عن الحق.
ومع مرور السنوات، وكثرة القراءة، واتساع التجربة، ونضج الإنسان في داخلي، بدأت أكتشف شيئًا لم أكن أراه بوضوح من قبل: إن المشكلة لم تكن دائمًا في اختلاف الآخرين عني، بل في أنني لم أكن أعرف كيف أتقبل هذا الاختلاف.
دفعت ثمن ذلك.
خسرت صداقات، وابتعد عني أقارب، ودخلت في صراعات طويلة مع أشخاص ربما كان يمكن أن تبقى بيني وبينهم مساحات واسعة من المحبة لو أنني فهمت مبكرًا أن الاختلاف لا يعني العداوة.
واليوم، حين أنظر إلى تلك السنوات، لا أشعر بالخجل من التجربة بقدر ما أشعر أنها علمتني درسًا لم تكن الكتب وحدها قادرة على تعليمي إياه: أن الإنسان لا يحتاج إلى إلغاء المختلف حتى يشعر بأنه على صواب.
لقد اكتشفت أن البشر لا يتشابهون، ولن يتشابهوا.
نحن مختلفون في تجاربنا، وتربيتنا، وثقافتنا، وطرق تفكيرنا، ونظرتنا إلى الأشياء. وحتى داخل الأسرة الواحدة، وتحت السقف الواحد، وبين أكثر الناس قربًا منا، لا يوجد تطابق كامل في الأفكار والمشاعر والقناعات.
فلماذا نطلب من العالم أن يكون نسخة منا؟
ولماذا نحول الاختلاف الطبيعي بين البشر إلى خصومة، ثم إلى قطيعة، ثم إلى صراع؟
إنني أؤمن اليوم أن الاختلاف ليس مشكلة الإنسان، وإنما المشكلة في الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع اختلاف الآخرين.
قد أختلف معك، لكن ذلك لا يمنحني الحق في كراهيتك.
وقد أرفض فكرتك، لكن ذلك لا يعني أنني أرفض وجودك.
وقد أؤمن بشيء لا تؤمن به، دون أن أحتاج إلى تحويل حياتنا المشتركة إلى معركة لإثبات من منا أكثر صوابًا.
وهنا أظن أن الوعي يبدأ.
فالوعي ليس أن تتخلى عن مبادئك، ولا أن تصبح بلا موقف، ولا أن تقول إن كل الأفكار متساوية. الوعي أن تعرف كيف تتمسك بما تؤمن به دون أن تجعل من إيمانك سلاحًا ضد الآخرين.
أن تعرف كيف تختلف دون أن تؤذي.
وكيف تناقش دون أن تهدم.
وكيف تقول «لا اتفق معك» دون أن تتحول الجملة إلى «لا أقبلك».
وهذه ليست قضية فردية تخصني وحدي، وإنما أراها واحدة من أكبر القضايا التي يحتاج عالمنا العربي إلى مراجعتها.
لقد أنهكتنا الخلافات.
استنزفتنا المعارك الصغيرة، والخصومات الطويلة، والتصنيفات، وسوء الظن، والرغبة المستمرة في إثبات أن الآخر مخطئ وأننا وحدنا نملك الحقيقة.
وكم من علاقة انتهت بسبب فكرة!
وكم من أخ خاصم أخاه!
وكم من صديق فقد صديقه!
وكم من أسرة عاشت سنوات من القطيعة!
وكم من مجتمع انقسم إلى معسكرات، لا لأن أفراده لا يستطيعون العيش معًا، وإنما لأنهم لم يتعلموا بعد كيف يختلفون معًا.
إننا لا نحتاج إلى عالم متطابق حتى نعيش بسلام؛ بل نحتاج إلى عالم أكثر وعيًا باختلافه.
فالتنوع ليس عيبًا ينبغي التخلص منه، بل نعمة صنعت الحضارة نفسها.
تأمل تاريخ الإنسان؛ كل ما حولنا تقريبًا هو نتيجة اختلاف العقول والمواهب والتجارب. هذا يكتشف، وذاك يطور، وثالث يصنع، ورابع يختبر، وخامس يختلف مع الجميع فيدفعهم إلى اكتشاف طريق جديد.
من هذا الاختلاف خرجت الطائرة والسيارة والهاتف والدواء والتطبيقات وكل ما جعل حياة الإنسان أكثر سهولة وجودة.
ولو كان البشر جميعًا يفكرون بالطريقة نفسها، لما كانت هناك حاجة إلى الاكتشاف أصلًا.
الحضارة لا تتقدم بالتطابق، وإنما بالتنوع.
ولهذا فإن قبول المختلف ليس مجرد تسامح أخلاقي نمارسه من باب الفضيلة، بل هو حاجة حضارية وإنسانية. لأن المختلف عني قد يمتلك ما لا أملك، وقد يرى ما لا أرى، وقد يضيف إلى الحياة شيئًا لا أستطيع أنا أن أضيفه.
ولذلك لم أعد أنظر إلى المختلف باعتباره نقصًا في العالم، بل باعتباره جزءًا من اكتماله.
وأصبحت أؤمن أن علينا أن نربي أبناءنا على هذه الفكرة مبكرًا: ليس مطلوبًا أن يكون صديقك مثلك، ولا أن يفكر أخوك كما تفكر، ولا أن يشاركك الآخر كل قناعاتك حتى تمنحه الاحترام.
علّموا أبناءكم أن الاختلاف طبيعي.
علّموهم أن الحوار أفضل من القطيعة، وأن السؤال أفضل من الاتهام، وأن فهم الآخر لا يعني الموافقة عليه.
فربما نستطيع بذلك أن نربي جيلًا أقل خصومة، وأكثر قدرة على العيش مع نفسه ومع الآخرين.
لقد كنت واحدًا من الذين لم يفهموا هذه الحقيقة مبكرًا.
ولذلك أقولها اليوم من تجربة شخصية، لا من برج فلسفي بعيد عن الحياة: تقبلوا المختلف قبل أن يتحول اختلافه معكم إلى صراع.
لا تنتظروا حتى تخسروا صديقًا أو قريبًا أو أخًا لتكتشفوا أن بعض المعارك لم تكن تستحق كل ذلك.
لا تجعلوا الاختلاف سببًا لقطع العلاقات.
ولا تجعلوا القناعات جدرانًا تمنع المحبة.
نحن في عالم عربي أنهكته الخصومات أكثر مما يحتاج إلى خصومة جديدة، وأثقلته الانقسامات أكثر مما يحتمل انقسامًا آخر. وما نحتاجه اليوم ليس أن نتفق في كل شيء، فهذا مستحيل، وإنما أن نرتقي بطريقة اختلافنا.
أن نختلف بوعي.
وأن نتحاور باحترام.
وأن نحفظ للإنسان إنسانيته حتى عندما لا نتفق معه.
فربما يبدأ السلام الكبير من مكان صغير جدًا: من بيت يتوقف فيه أب عن إجبار ابنه على أن يكون نسخة منه، ومن صديقين يختلفان دون أن يفترقا، ومن أخوين يختلفان دون أن يتخاصما، ومن مجتمع يدرك أن تعدد الأصوات لا يعني الفوضى.
وربما يكون أعظم ما يمكن أن نقدمه للحياة أن نكف عن محاولة جعلها نسخة واحدة.
لقد كنت أبحث يومًا عن الذين يشبهونني، ثم أدركت أن الحياة أوسع من ذلك بكثير.
اليوم لا أريد عالمًا يشبهني.
أريد عالمًا يتسع لي ولك، ولمن يختلف عنا جميعًا.
لأنني تعلمت أن الإنسان لا يصبح أكثر وعيًا عندما ينتصر على المختلف، وإنما عندما يستطيع أن يعيش معه دون صراع.
فليس المطلوب أن نتشابه حتى نعيش بسلام؛ المطلوب أن نعي اختلافنا، ونتقبله، ثم نمضي معًا.
هناك فقط، يبدأ السلام الحقيقي.