د. محمد بن عبدالله آل عمرو
قال الله تعالى على لسان أبناء يعقوب عليه السلام: {تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ}.
آية تختصر شيئًا عميقًا من طبيعة الإنسان حين يفقد حبيبًا عزيزًا؛ فالفقد لا ينتهي بانتهاء مراسم العزاء، ولا يغادر الحبيب القلب حين يغادر الدنيا، بل قد يبقى ذكره حاضرًا في تفاصيل الحياة، تستدعيه الأماكن والمواقف والذكريات، ويوقظ الشوق إليه موقف عابر أو صورة أو كلمة أو مكان كان يجمعنا به. فالذين يسكنون أعماق القلب لا يرحلون منه لمجرد أنهم رحلوا عن الدنيا.
لقد حزن يعقوب عليه السلام على يوسف حزنًا شديدًا، حتى ابيضت عيناه من الحزن، ومع ذلك لم يكن حزنه اعتراضًا على قضاء الله، ولا ضعفًا في إيمانه أو تسليمه، بل قال: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ}. وهنا يتجلى الفرق العظيم بين الحزن على قدر الله، والاعتراض على قدر الله؛ فالأول فطرة ورحمة أودعها الله في القلوب، والثاني هو الذي ينافي الرضا والتسليم.
ومن فقد والدًا أو والدة، أو أخًا أو أختًا، أو ولدًا من بنيه أو بناته، يعرف أن بعض الغياب لا يشبه سواه. قد يرضى العقل بحكم الله، ويوقن القلب بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ثم تدمع العين ويشتد الشوق ويضيق الصدر حين تهجم الذكريات، وليس في ذلك تناقض؛ فقد بكى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند موت ابنه إبراهيم وقال: إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، فاجتمع في قلبه الشريف الحزن الإنساني والرضا الإيماني، وكانت الدموع رحمة، وكان التسليم عبادة.
وقد شاء الله أن أعيش هذا المعنى في صورة ستظل محفورة في قلبي ما حييت؛ إذ ودعت في يوم واحد والدتي الحبيبة، وودعت معها حفيدها وابني الغالي خالد. رحلت أمي وقد بلغت من العمر ثلاثًا ومئة سنة، ورحل خالد بعد أن أكمل ثلاث عشرة سنة من عمره، جمعهما يوم واحد في الرحيل، مع أن بين عمريهما تسعين عامًا كاملة.
تأملت هذا طويلًا: أم عاشت أكثر من قرن، وحفيد لم يعش إلا ثلاثة عشر عامًا، ثم انتهى الأجلان في اليوم ذاته! وبين الميلادين تسعون عامًا، وبين الوفاتين لم يكن هناك يوم واحد. وفي ذلك درس بالغ في معنى الأجل؛ فما نراه نحن عمرًا طويلًا أو قصيرًا إنما هو في علم الله أجل مكتوب استوفاه صاحبه كاملًا.
فأمي لم تتقدم على أجلها ولم تتأخر عنه، وخالد لم يرحل قبل موعده، وإن كان القلب يتمنى لو امتدت به الحياة عشرات السنين. لقد عاش كل منهما العمر الذي كتبه الله له كاملًا: ثلاث ومئة سنة كانت العمر المقدر لأمي، وثلاث عشرة سنة كاملة كانت العمر المقدر لخالد، كلاهما بلغ نهاية السطر الذي كتبه الله له في كتاب لا يتقدم فيه حرف ولا يتأخر.
قال تعالى: {وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا}، وقال سبحانه: {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ}. فلا المعمّر تجاوز أجله لحظة، ولا الصغير اختُطف من عمر كان مكتوبًا له أن يعيشه؛ وإنما نحن نقيس الأعمار بأمانينا، بينما هي عند الله مقدرة بآجالها.
وهذه الحقيقة لا تلغي مرارة الفقد، ولا تطلب من القلب أن يكف عن الحنين، لكنها تمنح الحزن سكينته ومعناه. فالإيمان بالقدر لا يعني ألا نحزن، والصبر لا يعني ألا نبكي، والرضا لا يعني ألا نشتاق. وإنما يعني ذلك كله أن يبقى القلب، رغم ألمه، متعلقًا بالله، مؤمنًا بحكمته، مطمئنًا إلى أن ما قضاه سبحانه حق، وأن لقاء الأحبة لم ينته، وإنما تأجل إلى دار أخرى.
وسنظل نذكرهم؛ فما كان يعقوب عليه السلام يفتأ يذكر يوسف، وما كان ذكره له نقصًا في إيمانه؛ سنذكر أمي، وسأذكر خالدًا، وستظل تفاصيلهما حاضرة في الذاكرة والقلب؛ وقد تدمع العين كلما مر طيفهما، فالوفاء لا تنتهي مدته بالموت، والمحبة الصادقة لا يطويها التراب.
لكننا، مع الحزن والشوق والذكر، نقول ما يرضي ربنا: اللهم إنا آمنا بقضائك، ورضينا بقدرك، وعلمنا أن ما أخذت هو لك، وما أبقيت هو لك، وأن لكل شيء عندك أجلًا مسمى. فاجعل حزننا عليهم أجرًا، وذكرياتنا بهم وفاءً، وشوقنا إليهم دعاءً، واجمعنا بهم في مستقر رحمتك، في دار لا موت فيها ولا حزن ولا فراق.
{إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}.