عبدالرحمن بن عمران
«العقار نزل»!.
عبارة تسمعها هذه الأيام كثيرًا. وقد تسمع بعدها أرقامًا ونسبًا وقراءات مختلفة للسوق، بعضها يبعث على قدر كبير من التفاؤل.. لكن جرّب أن تقولها في مجلس فيه شخص يبحث عن منزل. غالبًا سيخرج هاتفه، يفتح الآلة الحاسبة، ويبدأ حساب الدفعة الأولى والتمويل والقسط... ثم يرفع رأسه ويقول: طيب... وبعدين؟! لا أظنه يشكك بالضرورة في أن الأسعار تحركت، أو أن السوق شهد تغيرًا. هو فقط يتحدث بلغة أخرى.
الأرقام تتحدث بالمتر والنسب والصفقات والمتوسطات. والأسرة تتحدث بالدخل والدفعة والقسط. كلاهما يتحدث عن العقار.. لكن هل يتحدثان عن الشيء نفسه؟ هنا تصبح الحكاية أكثر إثارة.
فلنفترض أن سعر منزل انخفض فعلًا. خبر جيد. ولنفترض أن الانخفاض كان ملموسًا. أفضل. لكن الأسرة لا تستطيع أن تسكن داخل «نسبة انخفاض». إنها تريد منزلًا تستطيع دفع ثمنه.
وهنا تخرج الآلة الحاسبة مرة أخرى: كم نملك للدفعة الأولى؟ كم سنقترض؟ وكم سيأخذ القسط من دخلنا كل شهر؟ فإذا تغيرت أرقام السوق، وبقيت إجابة الأسرة كما هي: «لا نستطيع بعد»، فربما يكون شيء قد تحسن فعلًا.. لكن شيئًا آخر لم يتحسن بالقدر نفسه، وهذا لا يجعل أرقام السوق خاطئة؛ بل قد تكون دقيقة تمامًا. لكن ربما نطلب منها أن تجيب عن سؤال لم تُصمم أصلًا للإجابة عنه.
فمؤشرات الأسعار تخبرنا كيف تحرك السوق، أما الأسرة فلديها مقياس آخر: هل أصبح امتلاك المسكن في مقدورها؟ وربما هنا نفهم جانبًا من ذلك الحوار اليومي الذي لا ينتهي، فالمشكلة ليست دائمًا أن المجالس لا تصدق الأرقام، ولا أن الأرقام تنفي ما يدور في المجالس.ربما هما ببساطة لا يتحدثان اللغة نفسها.
الأولى تصف ما يعيشه الباحث عن مسكن، والثانية تقيس ما يحدث في السوق. وكلاهما جزء من الصورة.
ولهذا ربما لا يكون السؤال الأهم فقط: كم انخفض السعر؟ بل: كم ارتفعت معه قدرة الأسر على التملك؟
كم أسرة انتقلت من «لا أستطيع» إلى «أستطيع»؟ كم تقلصت الفجوة بين دخل الأسرة والمسكن المناسب لها؟ وإلى أي مدى انعكس التحسن في الأسعار على مبلغ التمويل والقسط الشهري والقدرة الفعلية على الشراء؟
هذه ليست أسئلة تنافس مؤشرات السوق؛ بل ربما تكمل الحكاية.
وهنا تحديدًا تلتقي الفكرة مع الغاية الأكبر. فبرنامج الإسكان في رؤية المملكة 2030 يستهدف رفع نسبة تملك الأسر السعودية إلى 70 % بحلول 2030، إلى جانب تحسين القدرة على تحمل تكاليف السكن وتعزيز جودة الحياة. ومن ثم فإن السؤال عن الأثر لا يقلل من قيمة تحسن المؤشرات؛ بل ربما يكون الطريقة الأصدق للاحتفاء بها. فانخفاض سعر المتر يخبرنا أن شيئًا تحسن في السوق كمؤشر اقتصادي، لكن ارتفاع قدرة الأسر على التملك يخبرنا أن التحسن وصل إلى حياة الناس.
ولهذا ربما نحتاج إلى صورة تجمع الاثنين: ماذا تحسن في السوق؟ وماهو أثره في قدرة الأسر على التملك؟ فليس المهم أن يكون الرقم مريحًا أو مزعجًا. المهم أن يرسم الصورة الأقرب إلى الواقع، وقد تحتاج هذه الصورة إلى أكثر من مؤشر واحد: السعر، والدخل، وتكلفة التمويل، والقسط الشهري، ونوع المسكن، والموقع، وعدد الأسر التي أصبحت قادرة فعلًا على الشراء.
عندها قد تبدأ لغة الأرقام ولغة المجالس في الاقتراب من بعضهما. وربما لن نحتاج إلى نقاش طويل حول ما إذا كان «العقار نزل» أم لم ينزل. فالأسرة ستفتح الآلة الحاسبة مرة أخرى. لكن هذه المرة.. قد تكون الإجابة مختلفة!.
مساحة للقارئ
في المرة القادمة التي نسمع فيها: «العقار نزل»، ربما لا يكون السؤال فقط: كم؟ بل: طيب... وبعدين؟!
هل أصبحت الدفعة في المقدور؟ وهل أصبح القسط في المقدور؟ وهل انتقلت الإجابة من «لا نستطيع بعد» إلى «نستطيع»؟ عندها فقط، ربما نسمع في المجالس عبارة أجمل:
«ابشرك هانت... قرب البيت!