صالح الشادي
تخيل للحظة أن مصطفى لطفي المنفلوطي، ذلك البليغ الذي كان يحتاج إلى صفحات وسطور ليعبّر عن مشهد عابر، أو مصطفى صادق الرافعي الذي كان ينسج من الكلمات معجماً شعرياً متدفقاً، أن يعودا اليوم إلى عالمنا، ويجلسا أمام شاشة هاتف ذكي، ويحاولا كتابة مقال أو تدوينة. المشهد نفسه يحمل قدراً من المفارقة العجيبة، بل والجنون اللطيف.
فالمنفلوطي الذي كان يكتب في «النظرات» و«العبرات» كان يمارس ما يمكن وصفه بالسباحة الطويلة في بحر المعنى. كان القارئ في زمنه يمتلك صبر الأجداد، وكانت الكلمة في ذلك الزمن تُوزن بميزان الذهب، والمقدمة الطويلة لم تكن ثرثرة، بل كانت رحلة تأملية تأخذ القارئ بيده إلى قلب المعنى عبر طرق ملتوية من البلاغة والجناس والطباق، وكأن الكاتب يريد أن يُشعر القارئ بأن المعنى ليس وجهة نصل إليها، بل هو الطريق نفسه.
لكن اليوم، أصبح العقل المعاصر شبيهاً بجهاز استقبال مبرمج على أخذ الخلاصة فوراً. لقد تغيرت بنية الانتباه البشرية في زمن اختزلت فيه التغريدات الأفكار، والريلزات القصيرة القصص، وصرنا نمر على المعلومة كما يمر الغريق على سطح الماء: بسرعة، ودون توقف. أصبح لدينا ما يشبه «جوعاً معرفياً» لكن مع ضيق شديد في وقت الهضم.
الفرق الجوهري أن المنفلوطي والرافعي كانا يكتبان في زمن الندرة المعلوماتية، حيث كانت كل كلمة ثمينة لأنها تحمل عبء الإبهار والتأثير. أما اليوم فالعالم يعيش فيضاناً معلوماتياً لا يتوقف، والكتابة لم تعد بحثاً عن الجمال بقدر ما أصبحت بحثاً عن البقاء في وعي القارئ لثوان معدودة.
ولو عادا اليوم، لأدركا أن الجناس الذي كان يبهج الأسماع صار يثقلها، وأن الطباق الذي كان يُرى براعة بات يُقرأ تكلفاً، وأن القارئ اليوم يسأل بسخرية: «إلى أين تريد أن تصل يا سيدي؟». القارئ المعاصر يريد المعلومة عصيراً مركزاً، لا ثمرة كاملة تحتاج إلى تقشير ومضغ وتذوق.
لكن الأكثر إثارة للدهشة، أننا قد نكون بحاجة فعلية إلى جنون المنفلوطي والرافعي اليوم. في زمن يختزل فيه كل شيء إلى عناوين وخلاصات، قد يكون البطء في الكتابة، والتأني في التعبير، والغرق في الجمال اللغوي، نوعاً من المقاومة الثقافية. قد يكون التدفق البلاغي اليوم ضرباً من الجنون الجميل، لكنه جنون ضروري في عالم يفقد فيه الكلام رونقه، وتتحول فيه اللغة إلى مجرد أداة لنقل المعلومات لا للتذوق الجمالي.
الخلاصة أن المنفلوطي والرافعي لو عادا اليوم، لن يكتبا كما كانا يكتبان، لأن السياق تغير، والقارئ تغير، والزمن نفسه تغيرت وتيرته. لكن الأجمل أن نتخيل أن أحدهما سيجلس أمام شاشته البيضاء، ويتأمل طويلاً، ثم يكتب تغريدة واحدة فقط، لكنها ستحمل في حروفها كل ذلك التدفق المكثف، وكل تلك البلاغة الموجزة، وكل ذلك الجناس المختزل، ليثبت أن الجمال الأدبي لا يموت، بل يتكيف، وأن البلاغة الحقيقية هي أن تجد طريقك إلى قلب القارئ، سواء أخذت ذلك صفحات أم أسطراً معدودة.
في النهاية، ليس العيب في البلاغة أو في الإيجاز، بل في قدرة الكاتب على قراءة زمنه. والمنفلوطي والرافعي كانا أبناء عصرهما بإتقان، فلو عادا اليوم، لعلّهما سيكونان أبناء هذا العصر أيضاً، لكن بقلوب أجداد تغار على الكلمة من أن تضيع في زحام السرعة.