د. أحمد محمد القزعل
في حياة الإنسان مواقف كثيرة لا تخلو من الاختلاف وسوء الفهم، وقد يواجه المرء كلمات أو تصرفات تزعجه، وربما يظن في لحظتها أنها تستحق الرد والمواجهة.
غير أن الحكمة ليست دائماً في أن نقول كل ما نعرف، أو نرد على كل ما نسمع، وإنما قد تكون في أن نعرف متى نتكلم ومتى نتغافل.
التغافل ليس ضعفاً ولا عجزًا عن المواجهة، كما أنه لا يعني أن يتنازل الإنسان عن حقوقه أو يسمح للآخرين بالإساءة إليه؛ بل هو قدرة على تجاوز بعض الهفوات الصغيرة، وإعطاء العلاقات الإنسانية مساحة من الرحمة والمرونة، وإدراك أن الحياة لا تستقيم إذا تعامل الإنسان مع كل كلمة وكل موقف وكأنه قضية تستحق المعركة.
التغافل في معناه العام هو تعمد تجاهل بعض الأمور، وعدم الوقوف عند كل صغيرة وكبيرة، مع القدرة على ملاحظتها وفهمها. وهو يختلف عن الغفلة فالغافل قد لا ينتبه إلى الأمر، أما المتغافل فينتبه، لكنه يختار ألا يجعل منه مشكلة.
ومن المهم التفريق بين التغافل المحمود وبين الاستسلام للإساءة أو السكوت عن الظلم. فالتغافل يكون محموداً عندما يتعلق الأمر بالهفوات العابرة، وسوء الفهم، والمواقف الصغيرة التي يمكن أن تنتهي بكلمة طيبة أو بتجاوز كريم.
أما عندما تتحول الإساءة إلى اعتداء متكرر، أو ظلم واضح، أو تعدٍّ على حقوق الآخرين، فإن الحكمة تقتضي معالجة الأمر بالوسائل المناسبة، دون أن يتحول التغافل إلى ذريعة لترك الحقوق أو تشجيع المعتدي.
المطلوب ليس أن يكون الإنسان ضعيف الشخصية، وإنما أن يكون قادراً على التمييز بين ما يستحق الوقوف عنده.
وقد يظن بعض الناس أن الإنسان القوي هو الذي يرد بسرعة، ويرفع صوته، ولا يسمح لأحد بأن يتجاوز معه. لكن القوة الحقيقية أعمق من ذلك.
القوي هو من يستطيع السيطرة على غضبه، وضبط ردود أفعاله، واختيار الوقت المناسب للكلام، وعدم السماح للانفعالات بأن تقوده إلى قرارات يندم عليها لاحقاً.
ولهذا كان ضبط النفس من علامات النضج. فالإنسان الذي يستطيع أن يتجاوز استفزازاً عابراً، أو يسامح في موقف صغير، أو يؤجل الرد حتى يهدأ، أكثر قدرة على بناء علاقات مستقرة من الإنسان الذي يعيش في حالة دفاع دائم عن ذاته.
التغافل مهارة يمكن للإنسان أن يتدرب عليها. وأول خطواتها أن يتعلم ضبط انفعاله؛ فلا يتخذ قرارًا وهو غاضب، ولا يرد على رسالة أو كلمة في لحظة توتر.
من المهم أيضاً أن يتعلم الإنسان حسن الظن، وألا يفسر كل تصرف على أسوأ الاحتمالات. فكثير من الخلافات تبدأ من تفسير خاطئ للنوايا.
ومن المفيد كذلك أن يتساءل الإنسان قبل الرد:
هل يستحق هذا الموقف كل هذا الغضب؟ هل سأظل أتذكره بعد شهر أو سنة؟ وهل سيؤدي ردي إلى إصلاح الأمر أم إلى تعقيده؟
إن التغافل في موضعه ليس ضعفاً، بل حكمة، وليس هروباً من الواقع، بل قدرة على إدارة الواقع بعقل أهدأ وقلب أوسع. ومن امتلك هذه المهارة استطاع أن يحفظ كثيرًا من العلاقات، ويقلل كثيراً من الخصومات، ويعيش بقدر أكبر من السكينة والرضا.