منصور بن صالح العُمري
ما من شيءٍ في هذه الدنيا إلا وتتبعه نهاية؛ ليلٌ مهما استطال يطلع عليه الفجر، ووجعٌ مهما اشتدَّ يقطعه شفاءٌ أو موت، وفرحٌ مهما صفا تطويه الأيام، وعمرٌ مهما امتدَّ تحمل عند آخره إلى حفرةٌ صغيرة، ثم يُقال: ادفنوه.
نحن أبناء النهايات؛ لذلك تعجز عقولنا أن تتخيَّل تمامًا شيئًا لا ينتهي.
لكن سيأتي يومٌ... تُذبح فيه النهاية نفسها!
قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «يُؤتى بالموت كهيئة كبشٍ أملح»، حتى إذا عرفه أهل الجنة وأهل النار، ذُبح، ثم قيل: «يا أهل الجنة خلودٌ فلا موت، ويا أهل النار خلودٌ فلا موت».
هناك فقط تتغير معاني الأشياء كلها.
يلتفت أهل الجنة إلى نعيمهم، فإذا هو نعيمٌ لا يقف خلفه وداع؛ لا يخافون على صحةٍ من مرض، ولا على شبابٍ من هرم، ولا على حبيبٍ من فراق، ولا على سعادةٍ من انطفاء. أنهارٌ لا تجف، وظلالٌ لا تزول، ورضوانٌ من الله أكبر؛ تمرُّ الآباد، ولا يقترب نعيمهم من نهايته خطوةً واحدة.
وفي الجانب الآخر يسمع أهل النار النداء نفسه؛ لكن كلمة «خلود» تقع عليهم عذابًا فوق العذاب. كانوا في الدنيا إذا اشتدَّ عليهم البلاء انتظروا نهايته، أما هناك فلا صباحَ ينتظرونه بعد ليل، ولا موتَ يرجونه بعد ألم، ولا بابًا أخيرًا للوجع يفرون منه ؛ فقد ذُبح الموت، وانقطع آخر أملٍ في النهاية.
فأيُّ عقلٍ يرضى أن يشتري لذَّةً تنتهي بعذابٍ لا ينتهي؟
وأيُّ قلبٍ عرف الجنة ثم استكثر في طريقها صلاةً، أو دمعةَ توبة، أو مجاهدةَ شهوة، أو صبرَ ساعة؟
ومع ذلك كله.. فما دمت تقرأ هذه الكلمات، فإن الباب لم يُغلق بعد.
ما زالت صحيفتك تقبل سطرًا جديدًا، ويدك تضع في صحيفتك صدقة تبقى لك، وما زال الذنب تمحوه توبة، وما زالت الحسنة تمحو السيئة، وما زالت سجدةٌ خفية تستطيع أن ترفع إلى الله قلبًا أثقلته الخطايا، وما زال ربُّك الذي خوَّفك من ناره هو الذي ينادي المسرفين على أنفسهم:
{لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ}.
ثم لم يترك الرجاء أمنيةً بلا طريق، بل قال بعدها:
{وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ}.
فإن كنت محسنًا، فلا تتعب من الطريق؛ فما بقي من مشقته أقصر مما مضى، وما ينتظرك -برحمة الله- لا نهاية لجماله.
وإن كنت قد ابتعدت، فلا تقل: فات الأوان؛ فلعلَّ بينك وبين النجاة توبةً صادقةً هذه الليلة، أو دمعةً لا يراها إلا الله، أو سجدةً تقوم منها وقد غُسل عن قلبك عمرٌ كاملٌ من البعد.
إنها أيامٌ معدودة، ثم ينتهي كلُّ شيءٍ كنا نظنه طويلًا؛ ينتهي التعب، وتنتهي الشهوة، وينتهي المال، وتنتهي الخصومة، وينتهي العمر.
ثم تُذبح النهاية.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن تقف عنده طويلًا:
أين تريد أن تكون حين يُذبح الموت، ثم تسمع بأذنيك:
خلودٌ.. فلا موت؟