د. محمد بن أحمد غروي
خلال اجتماع ممثلي رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) ومجلس التعاون لدول الخليج العربية في جاكرتا الذي عُقد مؤخرًا، سُلط الضوء على تعزيز التعاون بين الرابطتين الإقليميتين، ومجالات التعاون المستقبلية بين الرابطتين خاصة في مجالات الاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية الرقمية، والأمن السيبراني، التي تعد من المجالات البارزة في العصر الحالي وتشكل محورًا جوهريًا لاقتصاد المستقبل، وفرصًا واعدة لتحقيق النمو الاقتصادي.
بحسب توقعات «بي دبليو سي» (PwC)، سوف يساهم الذكاء الاصطناعي بنحو 135 مليار دولار أمريكي -أي ما يعادل 12.4% من الناتج المحلي الإجمالي لدول مجلس التعاون الخليجي تتقدمهم الرياض.
فقد صُنفت المملكة ضمن الدول العشر الأولى عالمياً في مجال الاستثمار الخاص في الذكاء الاصطناعي، وأطلقت الرياض العام الماضي صندوقاً مدعوماً من الدولة للذكاء الاصطناعي يحمل اسم «هيومن» (Humain)، ما يعكس تركيز المملكة على الذكاء الاصطناعي وتقنيات المستقبل الأخرى بوصفها أدوات لدفع عجلة التنمية والابتكار وتعزيز التنافسية الاقتصادية.
بالمقابل تشهد منطقة جنوب شرق آسيا طلباً قوياً في مجال الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، إذ يُتوقع أن تتجاوز قيمة البضائع الإجمالية لاقتصادها الرقمي 300 مليار دولار. وعلاوة على ذلك، من المتوقع أن يتضاعف حجم سوق مراكز البيانات فيها بأكثر من الضعف بحلول عام 2030، ليرتفع من 13.7 مليار دولار إلى 30.5 مليار دولار.
هناك تعاون متنام بين كتلتي الخليج وجنوب شرق آسيا وتبادلًا للمنفعة في مجال الذكاء الاصطناعي، فهناك سعي لبناء نوع جديد من الشراكات في مجال الذكاء الاصطناعي؛ شراكة تحوّل نقاط القوة المتباينة لدى كل منهما إلى ميزة مشتركة.
ففي العام الماضي أكد مجلس التعاون الخليجي عمله على اكتشاف آفاق جديدة للتعاون مع رابطة آسيان خاصة في مجالات تقنيات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، إلى جانب تطوير اقتصاد رقمي شامل يواكب التطور التكنولوجي السريع ونمو التجارة الإلكترونية، مقترحًا تبادل الخبرات في تطوير البنية التحتية الرقمية. بينما دعا رئيس الوزراء الفيتنامي دول آسيان ومجلس التعاون إلى التعاون في تحقيق تطوير شامل ومتكامل للذكاء الاصطناعي، ويشمل ذلك بناء أطر قانونية مواتية، وبنية تحتية استراتيجية، مثل أنظمة البيانات والطاقة والحوكمة الذكية؛ وتدريب كوادر بشرية عالية الكفاءة، وتيسير تطوير الذكاء الاصطناعي بشكل أخلاقي، داعيًا إلى التركيز على التحول الرقمي وتطبيقات العلوم والتكنولوجيا، وتطوير البنية التحتية المستدامة، والمدن الذكية، والزراعة الذكية في مجالات التعاون بين الجانبين.
من الملاحظ أن الرياض سباقة في هذا التعاون، خلال فترة قصيرة أخذت عددًأ من الخطوات العملية في سبيل تعزيز الشراكة مع دول آسيان في مجال الذكاء الاصطناعي.
فاتقفت المملكة وماليزيا خلال اجتماع ثنائي على تعزيز التعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي، وأبرمت وزارة الطاقة الفلبينية شراكة مع وزارة الطاقة في المملكة لاستكشاف فرص تعزيز التعاون في مجال الطاقة والذكاء الاصطناعي وتطبيقات التقنيات الرقمية لتعزيز إدارة أنظمة الطاقة والبنية التحتية للطاقة.
ودشنت المملكة وسنغافورة العام الماضي «مجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي السنغافوري» الذي أفسح الطريق للجانبين لتعزيز التعاون في مجالات تشمل الاقتصاد والتقنية والإبداع والذكاء الاصطناعي. كما وقعت الرياض وجاكرتا اتفاقيات ومذكرات تفاهم بقيمة 27 مليار دولار أمريكي، تشمل مجالات الطاقة النظيفة ومن بينها تعزيز التعاون في توظيف الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة.
هناك شغف لدى المستثمرين الخليجيين لبناء مراكز استثمارية طويلة الأجل في الأسواق الرقمية عالية النمو، في حين تشهد منطقة جنوب شرق آسيا تعزيزاً في بنيتها التحتية واستثمارات الطاقة ورأس المال البشري.
فيما يتزايد التكامل بين الاقتصاد الرقمي سريع النمو في جنوب شرق آسيا ودور منطقة الخليج المتنامي كمستثمر عالمي في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. ولذا، فإن تعميق الشراكة في مجال الذكاء الاصطناعي بين المنطقتين يمثل فرصة اقتصادية وإستراتيجية لتعزيز المرونة في ظل تزايد حالة عدم اليقين الجيوسياسي.
لم يعد بناء قدرات الذكاء الاصطناعي محصورًا على القوى الكبرى، فمن خلال الاستثمار والشراكات الموثوقة والنشر المسؤول للتقنية يمكن لعب دور حيوي.
إذ يمكن لدول جنوب شرق آسيا ومنطقة الخليج المساعدة في تحديد المجالات التي يحقق فيها هذا المجال أكبر قدر من القيمة الاقتصادية والاجتماعية.