رسيني الرسيني
من جبل طويق الرياض إلى ضفاف نهر السين في باريس، تمتد علاقة عمرها قرن، بدأت بالدبلوماسية وكبرت حتى أصبحت رؤوس الأموال والاستثمارات والمصالح المشتركة بعضًا من أبطالها، فمنذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وفرنسا عام 1926م، مرت العلاقة بين البلدين بتحولات كثيرة واكبت تغير الاقتصاد السعودي وتطور موقع المملكة إقليميًا ودوليًا. وبعد قرن تقريبًا، تبدو زيارة سموه الكريم إلى فرنسا تعبيرًا عن مرحلة ربما تكون الأكثر اتساعًا وعمقًا في تاريخ هذه العلاقة. فالسياسة لم تعد تتحرك بمعزل عن الاقتصاد، والتنسيق في القضايا الإقليمية والدولية أصبح يسير بالتوازي مع شراكات في الاستثمار والطاقة والنقل والتقنية والسياحة والثقافة ورأس المال البشري.
هذه العلاقة الاقتصادية تكتسب قيمة إضافية عندما ننظر إلى توقيت الزيارة، فالعالم يواجه تحديات متزايدة في الطاقة وسلاسل الإمداد وحرية الملاحة، فيما تمثل المملكة حلقة رئيسية تربط بين أسواق الطاقة وطرق التجارة بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا. لذلك لا تنفصل مناقشة مضيق هرمز وباب المندب عن الاقتصاد، فأمن الممرات البحرية يعني استقرار الإمدادات والأسعار وتكاليف النقل والتأمين والتجارة الدولية. وهنا تتجاوز أهمية السعودية حجم اقتصادها أو إنتاجها من الطاقة إلى قدرتها على الإسهام في استقرار منظومة اقتصادية أوسع. وعندما تلتقي هذه المكانة مع اقتصاد فرنسي صناعي وتقني كبير، تصبح الشراكة بين البلدين أكثر من تدفقات استثمارية متبادلة، لتدخل في نطاق أمن الطاقة وسلاسل الإمداد والاستقرار الاقتصادي.
وحين ننظر إلى حجم الاستثمار الفرنسي في السعودية، نجد ارتفاعه من نحو 7.5 مليار دولار عام 2015م إلى ما يزيد على 18 مليار دولار بنهاية 2024م، بزيادة تقارب 147 % لتصبح فرنسا ثالث أكبر مستثمر أجنبي في المملكة، إذ يعمل في السوق السعودي أكثر من 160 شركة فرنسية في قطاعات الطاقة والمياه والنقل والطيران والبناء والهندسة وغيرها. كما تتجه العلاقة أيضًا نحو قطاعات الاقتصاد الجديد، وفي مقدمتها الألعاب والرياضات الإلكترونية الذي أقيم حفل التتويج أثناء الزيارة التاريخية في وقت تجاوزت فيه إيرادات سوق الألعاب العالمية حاجز 200 مليار دولار في 2025م. وهذا التقاطع يعكس تحولًا أوسع في مفهوم الشراكة بين الرياض وباريس.
لهذا ربما يكون المقياس الحقيقي لنجاح المرحلة المقبلة ليس عدد الاتفاقيات الموقعة، وإنما قدرتها على إنتاج قيمة اقتصادية مشتركة. فالشراكة الأكثر نضجًا هي التي تنقل التقنية والمعرفة إلى المملكة، وتدعم المحتوى المحلي، وتخلق وظائف نوعية، وفي المقابل تفتح أمام رأس المال والشركات السعودية فرصًا أكبر في الاقتصاد الفرنسي والأوروبي، خصوصًا في ظل رؤية 2030 التي وسعت مساحة التقاء المصالح بين البلدين لتنقل العلاقة من تدفقات تجارية واستثمارية إلى شراكة إنتاجية وإستراتيجية أكثر توازنًا. ومن أجل ذلك، تأتي أهمية انعقاد مجلس الشراكة الاستراتيجي السعودي - الفرنسي، ثم منتدى الأعمال بمشاركة كبرى الشركات من البلدين، باعتبارهما انتقالًا من العلاقات التقليدية بين الدول إلى بناء مصالح اقتصادية ومؤسسية طويلة الأجل.
حسنًا، ثم ماذا؟
بعد قرن من العلاقات السعودية - الفرنسية، قد تكون الرسالة الاقتصادية الأبرز من زيارة باريس أن المملكة تنظر إلى العالم بوصفه شريكًا في صناعة الفرص وبناء الاستقرار.