د. حميد محمد الأحمدي
العلم ثروة لا تنضب، وكنز لا يفنى، وبحر لا ساحل له، وهو القوة التي تصنع فكر الإنسان وإبداعه، والأساس الذي تقوم عليه الحضارات. وكلما ازداد الإنسان علمًا، ازدادت قدرته على صناعة مستقبله، وخدمة مجتمعه ووطنه؛ فطلب العلم والازدياد منه سبيل إلى اكتساب المعرفة، وتعلُّم المهارات التي تسهم في تطور الفرد والمجتمع، وبناء الحضارات. وبالعلم ترتقي الأمم، وتُفتح آفاق جديدة للتقدم والرقي والازدهار.
وقد أولى ديننا الإسلامي الحنيف العلم مكانة عظيمة؛ فكان من أول ما نزل من القرآن الكريم قول الله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}. فجاءت بداية الوحي مؤكدةً أهمية العلم، ومبيِّنةً عِظَم أثره في بناء الإنسان.
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-، مؤكدًا شرف العلم وعِظَم فضله: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ».وطلب العلم رحلة لا تنتهي، ولا يحدها عمر، ولا تقف عند مرحلة معينة. ومن أعظم ثمرات العلم وفوائده أنه يقود الإنسان إلى عبادة الله على بصيرة، ويرفع درجاته في الدنيا والآخرة. قال تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ .
كما أن العلم نور يبدد ظلام الجهل، ويضيء للإنسان طريقه، فيميّز به بين الحق والباطل، والصواب والخطأ. ويعزز العلم والثقة بالنفس، ويمنح صاحبه الأدوات التي تمكّنه من تحقيق أهدافه، والوصول إلى طموحاته، والإسهام في تنمية وطنه وخدمة مجتمعه.
ولكي يحقق العلم غايته ويؤتي ثماره، لا بد أن يقترن بوضوح الهدف وحُسن التخطيط. فعلى كل إنسان أن يرسم لنفسه رؤية واضحة، ويحدد أهدافًا يسعى إلى تحقيقها؛ فالإنسان بلا هدف ولا خطة كمن يسير في طريق لا يعرف وجهته، ولا يدري أين تكون نهايته. فالعلم يفتح لصاحبه الأبواب، لكن الطموح والعمل هما اللذان يقودان إلى النجاح، ويحوّلان المعرفة إلى أثر نافع في حياة الفرد والمجتمع.
وفي عصرنا الحاضر، الذي يتسارع فيه التطور وتتغير فيه متطلبات الحياة، أصبح من الضروري اكتساب مهارات المستقبل وتطويرها، مثل التفكير النقدي، وحل المشكلات، والوعي بالذكاء الاصطناعي، والذكاء العاطفي، والمهارات التقنية، وغيرها؛ حتى نواكب متطلبات العصر، ونكون عناصر فاعلة في مجتمعنا، وقادرين على الإسهام في مسيرة التنمية وبناء المستقبل. فالوطن لا يحتاج إلى متعلمين يمتلكون المعرفة فحسب، بل يحتاج إلى عقول واعية تحوّل المعرفة إلى ابتكار، والعمل إلى إنجاز، والطموح إلى واقع.
وفي الختام، فإن طلب العلم ليس عبئًا ثقيلًا، بل هو متعة للعقل، وتهذيب للنفس، ونور للبصيرة. وبالتعلُّم المستمر نستطيع أن نواجه تحديات الحياة، ونصنع الفرص، ونبني مستقبلًا أكثر إشراقًا. فالمستقبل لا يعني الوظيفة فقط، بل يشمل مستقبل الإنسان الفكري والروحي والاجتماعي. فلنبدأ اليوم الخطوة الأولى، ولنجعل التعلُّم أسلوب حياة، والطموح دافعًا، والعمل طريقًا إلى الإنجاز. فالمستقبل المشرق لا يُنتظر، بل يُصنع بالعلم، ويُبنى بالطموح والعمل، ويزدهر بالعطاء. ولنتذكّر دائمًا قول الله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ.