د.عبدالله الفايز
مع ما تشهده المملكة العربية السعودية من تطور عمراني وتنظيمي كبير، وما حققته من تقدم واضح في أنظمة البناء والسلامة والدفاع المدني، لجميع أنواع المباني ما عدا الوحدات السكنية والتي هي الأهم فاحتراق شقة سكنية سيؤدي إلى حريق يلتهم الشقق الأخرى وكامل العمارة وقد يصل إلى المباني المجاورة وهلاك الأرواح. سبق أن كتبت عن الموضوع قبل 20 عاما «ستسالون» وأعود اليوم لطرحه مرة أخرى. حيث ما زال هناك في رأيي جانب مهم لسلامة المساكن يحتاج إلى مزيد من الاهتمام، وهو ضمان التطبيق الفعلي والواسع لأنظمة الكشف المبكر عن الحرائق والغازات الخانقة والخطرة، ولا سيما أجهزة الكشف عن الدخان وأجهزة الكشف عن أول أكسيد الكربون. وأقول ذلك من منطلق الحرص على حياة الإنسان والأسرة، لا من باب انتقاد الجهود القائمة، لأن الحريق أو تسرب أول أكسيد الكربون لا يمنح الإنسان وقتا طويلا للتفكير أو التصرف، وقد يكون الفرق بين الحياة والموت دقائق معدودة. فالكود السعودي للمباني السكنية يتضمن أقساما مخصصة لـ«أجهزة إنذار الدخان» و«أجهزة إنذار أول أكسيد الكربون»، كما يتضمن الكود السعودي العام متطلبات لأنظمة إنذار وكشف الحريق وكشف أول أكسيد الكربون، ومخارج الهروب. ولذلك فإن القضية التي تستحق النقاش هي لماذا لا يطبق النظام على جميع المساكن القائمة والجديدة، ومدى الالتزام بها، وجودة التركيب، والفحص الدوري، والصيانة، ووعي المالك والسكان بأهميتها. وهذه في رأيي الفجوة التي يجب أن نعالجها بقوة أكبر.
إن أول أكسيد الكربون من أخطر الغازات داخل المنازل لأنه غاز سام لا يرى ولا يشم ولا يستطيع الإنسان اكتشافه بحواسه الطبيعية، وقد يتسرب من بعض أجهزة الاحتراق أو التدفئة أو المولدات أو السيارات في الأماكن المغلقة. والخطورة الحقيقية أنه قد يتسبب في فقدان الوعي والموت قبل أن يدرك أفراد الأسرة ما يحدث. ولهذا فإن وجود جهاز كشف أول أكسيد الكربون ليس من الكماليات، بل يمثل خط دفاع مبكر يمكن أن ينبه الأسرة قبل تفاقم الخطر. وقد فجعنا وخسرنا أرواحا كثيرة. وبالمثل، فإن كاشف الدخان يمكن أن يكتشف الحريق في مرحلة مبكرة عندما تكون فرصة الهروب والسيطرة عليه أكبر بكثير من المرحلة التي تمتلئ فيها أرجاء المنزل بالدخان. ومن أكثر الأخطاء التي يجب أن نتوقف عندها النظر إلى الحريق باعتباره مجرد نار يمكن إطفاؤها، بينما الخطر الأكبر في كثير من الحالات يبدأ بالدخان والغازات السامة ونقص الأكسجين. فقد يستيقظ أفراد الأسرة على دخان كثيف أو قد لا يستيقظون أصلا إذا بدأ الحريق أثناء النوم. ولهذا فإن الكشف المبكر ليس إجراء ثانويا، وإنما هو عنصر أساسي في منظومة السلامة. فالثواني والدقائق الأولى قد تكون كافية لإخراج الأطفال وكبار السن والمرضى من المكان، بينما بعد انتشار الدخان قد تصبح عملية الإنقاذ شديدة الصعوبة. ومن الضروري كذلك إعادة النظر في بعض الممارسات التي قد تبدو طبيعية أو آمنة من الناحية الإنشائية، لكنها قد تتحول أثناء الحريق إلى مصائد خطرة. ومن ذلك إغلاق النوافذ أو الفتحات العلوية في بعض المساكن بقضبان حديدية دون توفير بديل آمن للهروب. فالنافذة قد تتحول في حالات الطوارئ إلى مخرج أخير، وإذا كانت مغلقة تماما فقد يجد أفراد الأسرة أنفسهم محاصرين داخل المنزل. ولذلك يجب أن يكون مبدأ السلامة هو توفير مخارج هروب واضحة وقابلة للاستخدام، وفق متطلبات الكود وطبيعة المبنى، بدلا من تحويل جميع الفتحات إلى عناصر مغلقة يصعب التعامل معها عند الطوارئ. كما أن كفاءة مخارج الهروب تعتمد على تصميمها وموقعها وسهولة الوصول إليها، وليس مجرد وجود نافذة أو باب.
والسلامة المنزلية لا تتوقف عند أجهزة الإنذار. فهناك أنظمة إطفاء تبدأ من طفايات الحريق اليدوية المناسبة لنوع الحريق، وتصل في المباني التي تتطلبها الأنظمة إلى الرشاشات الآلية وأنظمة الإطفاء الأخرى وأنظمة الإنذار والتحكم بالدخان. والكود السعودي العام يتضمن بالفعل متطلبات لأنظمة الرش الآلي وطفايات الحريق وأنظمة إنذار وكشف الحريق، بما في ذلك كشف أول أكسيد الكربون وكشف الغازات في الحالات التي ينطبق عليها الكود. لكن وجود النص في الكود لا يكفي وحده؛ فسلامة السكان تعتمد في النهاية على جودة التنفيذ، واعتماد الأنظمة، والفحص، والصيانة، وعدم تعطيل الأجهزة بعد تركيبها. ومن هنا أعتقد أن مفهوم السلامة في المملكة يجب أن يبدأ بالإلزام بـ«اشتراط وجود النظام» إلى مرحلة «التأكد من أن النظام يعمل فعلا». فقد تجد جهاز إنذار مركبا في المنزل لكنه لا يعمل بسبب نفاد البطارية، أو عدم إجراء اختبار دوري، أو سوء التركيب، أو إزالته بعد فترة بسبب الإزعاج. وقد توجد طفاية حريق داخل منزل ولكنها غير مناسبة أو منتهية الصلاحية أو مخزنة في مكان يصعب الوصول إليه. وقد توجد نافذة يمكن استخدامها نظريا كمخرج لكنها غير قابلة للفتح عمليا. السلامة الحقيقية ليست في وجود المعدات فقط، وإنما في جاهزيتها وقت الحاجة. وهنا تأتي أهمية التوعية المنزلية. لا يكفي أن يعرف المواطن أن هناك كودا للبناء، بل يجب أن يعرف ماذا يفعل إذا سمع جهاز الإنذار ليلا، وكيف يخرج من المنزل، وأين توجد الطفاية، وكيف يتعامل مع حريق صغير إذا كان ذلك آمنا، ومتى يجب ألا يحاول الإطفاء وأن يغادر المكان فورا. كما يجب أن تعرف الأسرة أن استنشاق الدخان قد يكون أخطر من الحريق نفسه، وأن العودة إلى المنزل المحترق لإحضار الممتلكات قد تكون قاتلة، وأن الطفل أو كبار السن قد يحتاجون إلى خطة إخلاء خاصة.
وهناك جانب آخر بالغ الأهمية، وهو تعليم أفراد الأسرة مبادئ الإسعاف الأولي والإنعاش القلبي الرئوي، أو CPR. هذه المهارات قد تكون أهم من كثير من الأشياء التي نتعلمها في حياتنا ثم لا نستخدمها إلا نادرا. فالإنعاش القلبي الرئوي، والتعامل الصحيح مع بعض حالات الاختناق، وطلب الإسعاف بسرعة، والتصرف السليم مع بعض الإصابات والحروق، يمكن أن يصنع فارقا حقيقيا قبل وصول الفرق المتخصصة. والمملكة لديها جهات صحية ومراكز تدريب تقدم برامج في الإسعافات الأولية والإنعاش القلبي الرئوي، كما أن تطوير المعرفة الأساسية بهذه المهارات على مستوى الأسرة والمجتمع يمكن أن يعزز الاستجابة المبكرة في الحالات الطارئة. لكن في هذا المجال أيضا يجب الانتباه إلى أن الإسعاف المنزلي ينبغي أن يقوم على التدريب المعتمد لا على المعلومات المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فبعض الإجراءات التي كانت شائعة في الماضي لم تعد هي الأسلوب الموصى به في كل الحالات. ولذلك فإن الأفضل أن تتعلم الأسرة الإسعافات الأساسية من جهات صحية معتمدة، وأن تعرف بصورة خاصة كيفية التعامل مع الحالات الشائعة مثل توقف القلب والاختناق والغرق والحروق، وكيفية الاتصال السريع بخدمات الطوارئ.
ومن الأخطاء التي ينبغي رفع الوعي بشأنها محاولة استخدام الماء في أنواع معينة من الحرائق، مثل حرائق الزيوت والدهون، حيث يمكن أن يؤدي الماء إلى انتشار النار بصورة خطرة. كما أن التعامل مع الحريق نفسه يجب ألا يكون على حساب سلامة الشخص؛ فإذا كان الحريق يتوسع أو يوجد دخان كثيف أو لا تتوافر وسيلة إطفاء مناسبة، فالقرار الصحيح في الأغلب هو الإخلاء وطلب المساعدة وليس محاولة القيام بدور رجل الإطفاء. ويبقى موضوع «صيدلية المنزل» أو حقيبة الإسعافات الأولية جزءا مهما من منظومة السلامة. وجود الضمادات، والمطهرات، والقفازات، وبعض المستلزمات الأساسية للإسعافات الأولية يساعد الأسرة على التعامل مع الإصابات البسيطة إلى حين الحصول على الرعاية الطبية. ولكن لا ينبغي أن تتحول صيدلية المنزل إلى مخزن عشوائي للأدوية، بل يجب أن تكون منظمة، وأن تحفظ الأدوية وفق التعليمات، وأن تكون بعيدة عن الأطفال، وأن يتم التخلص من الأدوية منتهية الصلاحية بطريقة آمنة. كما يمكن للأسرة سؤال المنشآت الصحية أو الجهات المختصة عن المكونات المناسبة لحقيبة الإسعافات وفق احتياجاتها.
والسؤال الأهم الذي يجب أن نطرحه هو: ماذا لو لم يهتم صاحب المنزل بسلامته الشخصية؟ بدعوى أنه حر، ولكن حريته تنتهي عندما يعرض غيره للخطر! هل من حقه أن يعرض أسرته وجيرانه للخطر؟ هنا تصبح القضية شأنا مجتمعيا وليس فرديا. فالحريق داخل شقة واحدة في مبنى متعدد الوحدات يمكن أن ينتقل إلى وحدات أخرى، والدخان يمكن أن يصل إلى جيران لم يكونوا طرفا في أي خطأ، وتسرب أول أكسيد الكربون يمكن أن يؤثر في أشخاص لا علاقة لهم بمصدره. ومن ثم فإن قواعد السلامة في المباني ليست تدخلا في حرية الفرد بقدر ما هي حماية لحقوق الآخرين. ولهذا أرى أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تعزيز مفهوم «السلامة المنزلية الذكية» في المملكة، بحيث لا تقتصر المنازل الحديثة على أنظمة الإضاءة والتكييف والأمن والتحكم الرقمي، وإنما تضم أيضا منظومة متكاملة للكشف عن الدخان وأول أكسيد الكربون والغاز، وكشف تسرب المياه، ومراقبة درجات الحرارة، والتنبيه المبكر، وربط الحالات الخطرة بأنظمة الاتصال والطوارئ عندما يكون ذلك مناسبا ومسموحا تنظيميا. ومع تطور إنترنت الأشياء، يمكن لهذه الأنظمة أن تصبح جزءا من البنية الأساسية للمنزل بدلا من اعتبارها أجهزة إضافية يمكن الاستغناء عنها. كما أن منصة «سلامة» التابعة للدفاع المدني تمثل خطوة مهمة في رقمنة إجراءات السلامة والتراخيص، وهي حاليا توفر الوصول الرقمي إلى متطلبات السلامة والتراخيص وخدمات شركات السلامة والمكاتب الهندسية والفنية المعتمدة. ويمكن مستقبلا تطوير هذا الاتجاه ليشمل ليس فقط تراخيص المنشآت التجارية، وإنما آليات أكثر فاعلية للتوعية والفحص والمتابعة الدورية للسلامة في المباني السكنية، خصوصا المباني متعددة الوحدات والمباني القديمة والمساكن التي تستخدم أجهزة احتراق أو تتعرض لمخاطر إضافية.
إن القضية في النهاية ليست كم ستكلفنا أجهزة الكشف والإطفاء ومخارج الهروب مقارنة بقيمة المنزل، وإنما كم تساوي حياة إنسان. قد يكون جهاز الكشف عن الدخان أو أول أكسيد الكربون صغيرا ورخيصا، وقد تكون طفاية الحريق محدودة التكلفة، وقد لا يتجاوز التدريب على الإسعافات الأولية بضع ساعات، لكنها جميعا يمكن أن تصبح ذات قيمة لا تقدر بثمن في اللحظة التي تقع فيها الكارثة. وقد فقدت أسر كثيرة أحباء لها بسبب حوادث كان يمكن، في بعض الحالات، أن تؤدي فيها دقائق قليلة من الإنذار المبكر أو المعرفة الصحيحة أو وجود مخرج آمن إلى تغيير النتيجة بالكامل. ولذلك فإن حماية الإنسان لا تبدأ عند وصول سيارة الإسعاف أو الدفاع المدني، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير، من تصميم المبنى، وتركيب أجهزة الإنذار، وتوفير مخارج الهروب، وصيانة أنظمة الإطفاء، وتعليم أفراد الأسرة، وبناء ثقافة تعد السلامة جزءا أساسيا من جودة المسكن. إن التطور العمراني الحقيقي لا يقاس فقط بجمال المباني ومساحاتها وواجهاتها وتقنياتها، وإنما أيضا بقدرتها على حماية من يعيشون فيها. وإذا كنا نبني مدنا ذكية ومباني حديثة ومجتمعات متقدمة، فيجب أن يكون الإنسان هو محور هذه المنظومة، وأن تصبح سلامته أولوية لا تقل عن الراحة والكفاءة والجمال. وربما يكون الوقت قد حان لأن نتعامل مع أجهزة كشف الدخان وأول أكسيد الكربون، ومخارج الهروب، ووسائل الإطفاء، والإسعافات الأولية، ليس باعتبارها كماليات أو متطلبات ورقية، وإنما باعتبارها الحد الأدنى من حق الإنسان في أن يعيش في منزل آمن.
العالم اتعظ من حريق لندن الكبير للتقيد بأنظمة السلامة الحديثة. إن أهمية تشديد أنظمة السلامة في المباني تتضح عندما نعود إلى التاريخ ونرى كيف أدت الحرائق الكبرى إلى تغيير أنظمة البناء نفسها. ومن أبرز الأمثلة حريق لندن الكبير عام 1666، الذي اندلع واستمر أربعة أيام، ودمر ما يقارب 13,200 منزل و87 كنيسة وعددا كبيرا من المنشآت الرئيسة في المدينة وعدد من الوفيات. وكان انتشار الحريق سريعا بسبب المباني الخشبية المتلاصقة، وضيق الشوارع، واستخدام مواد شديدة القابلية للاشتعال، إضافة إلى ضعف وسائل مكافحة الحريق في ذلك الوقت. ولم يكن أهم أثر للحريق هو الدمار الذي خلفه فقط، وإنما أنه أصبح نقطة تحول تاريخية في تشريعات البناء والسلامة. ففي عام 1667، أي بعد عام واحد من الكارثة، أقر قانون إعادة بناء مدينة لندن، واشترط أن تكون المباني الجديدة من الطوب أو الحجر بدلا من المواد القابلة للاشتعال، كما وضع قيودا على ارتفاع المباني وعدد الطوابق بهدف الحد من مخاطر انتشار الحرائق والاكتظاظ. ومنذ ذلك الوقت تطورت أنظمة السلامة تدريجيا من مجرد محاولة إطفاء الحريق بعد وقوعه إلى فلسفة تقوم على الوقاية والكشف المبكر والاحتواء والإخلاء. وأصبح تصميم المبنى نفسه جزءا من منظومة الحماية، فأصبحت مواد البناء، ومقاومة الحريق، ومسارات الهروب، وأنظمة الإنذار، والرشاشات، وأنظمة التحكم بالدخان، ومخارج الطوارئ، والفحص والصيانة، كلها عناصر مترابطة. وفي العصر الحديث تطورت هذه المنظومة إلى معايير تفصيلية مثل NFPA 72 الخاصة بأنظمة إنذار وكشف الحريق والإشارات، التي أصبحت مرجعا مهما في تطبيقات السلامة السكنية والتجارية، وتشمل متطلبات كواشف الدخان وأجهزة إنذار أول أكسيد الكربون في الحالات التي تنطبق عليها المعايير.
ولم تتوقف عملية تطوير التشريعات عند حرائق التاريخ القديم. فقد أظهرت حرائق المباني الحديثة، ومنها حريق برج غرينفيل في لندن عام 2017 الذي أدى إلى وفاة 72 شخصا، أن وجود الأنظمة واللوائح وحده لا يكفي إذا كانت هناك فجوات في التصميم والتنفيذ والإدارة والصيانة والرقابة. وبعد الحريق أجريت مراجعات واسعة لنظام سلامة المباني في المملكة المتحدة، وأدى ذلك إلى قانون سلامة المباني لعام 2022 وإنشاء نظام خاص للمباني الأعلى خطورة، مع تحديد مسؤوليات واضحة لإدارة مخاطر الحريق طوال دورة حياة المبنى. وهذا التاريخ يحمل رسالة مهمة لنا في المملكة العربية السعودية: أنظمة السلامة لا ينبغي أن تنتظر الكارثة حتى تتطور. فالأفضل أن نتعلم من تجارب الآخرين قبل أن ندفع الثمن بأنفسنا. وقد تطورت المملكة بالفعل في هذا المجال، والكود السعودي يتضمن متطلبات لأنظمة إنذار وكشف الحريق وكشف أول أكسيد الكربون، كما يتضمن متطلبات مرتبطة بالرشاشات ومعدات مكافحة الحريق ومخارج الهروب في الحالات التي ينطبق عليها الكود. ولذلك فإن المرحلة الأهم ليست فقط إضافة نصوص جديدة، وإنما التأكد من أن هذه الاشتراطات تصل فعليا إلى جميع المباني المعنية، وأن الأنظمة تعمل باستمرار، وأن المالك والسكان يعرفون كيفية استخدامها، وأن هناك فحصا وصيانة ورقابة حقيقية.
ومن هنا فإن أجهزة كشف الدخان وأول أكسيد الكربون ليست مجرد أجهزة تقنية صغيرة توضع على الجدار، بل هي نتيجة قرون من تطور مفهوم سلامة المباني. فالتجربة الإنسانية أثبتت أن الإنسان قد لا يستطيع اكتشاف الحريق أو الغاز السام في الوقت المناسب، وأن الاعتماد على الحواس البشرية وحدها ليس كافيا. ولهذا أصبح الكشف المبكر جزءا أساسيا من فلسفة السلامة الحديثة. وفي حالة أول أكسيد الكربون تحديدا، تزداد أهمية الكشف لأنه غاز لا يستطيع الإنسان الاعتماد على حاسة الشم أو الرؤية لاكتشافه، ولذلك فإن وجود كاشف مناسب في المواقع التي يوجد فيها مصدر احتراق يمكن أن يكون خط دفاع بالغ الأهمية. ولذلك فإن القضية التي أطرحها في المملكة ليست دعوة إلى تجاهل ما هو موجود في الكود، بل دعوة إلى رفع مستوى التطبيق والوعي والرقابة، وربما إلى مراجعة دورية للمتطلبات مع تغير أنماط البناء واستخدام الطاقة والمساكن الحديثة. فكما تعلمت لندن من حريق 1666، وكما أعادت دول عديدة تطوير أنظمتها بعد كوارث لاحقة، ينبغي لنا أن نطور أنظمة السلامة باستمرار استنادا إلى المعرفة والتكنولوجيا الحديثة، لا أن ننتظر حادثا كبيرا حتى نكتشف أن اشتراطا بسيطا كان يمكن أن ينقذ حياة إنسان. وفي النهاية، فإن أعظم درس من تاريخ حريق لندن ليس أن مدينة احترقت، وإنما أن الكارثة تحولت إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء نظام أكثر أمانا. وهذا هو ما يجب أن نتعلمه اليوم: أن أفضل أنظمة البناء هي التي تمنع الكارثة، أو تكتشفها في بدايتها، أو توفر للإنسان فرصة كافية للهرب منها، قبل أن يصبح الإنقاذ مستحيلا.