م.عبدالمحسن بن عبدالله الماضي
1 - ما أقسى الأحلام المؤدبة.. فهي لا تصرخ، ولا تتمرد، ولا تهرب من أصحابها.. تجلس في زاوية الروح في صمت، تنتظر الإذن الذي ربما لا يأتي.. كلما همّت بالخروج، قال لها العقل: ليس الآن، وقالت المسؤوليات: بعد أن تنتهي من هذا، وقال الزمن: حين تستقر الأمور.. حتى إذا استقرت الأمور، لم يبق من العمر ما يكفي.
2 - الأحلام المؤدبة ليست من ذلك النوع الذي يقتحم الأبواب ويقلب الحياة رأسًا على عقب.. إنها وديعة إلى حد الأسى، تجلس في آخر الصف، وترفع يدها في صمت، وتنتظر أن يؤذن لها بالكلام.. ومن سوء حظها، أن الحياة لا ترى دائمًا من يرفع يده في هدوء.
3 - منذ الطفولة نُلقَّن فضائل كثيرة: كن مؤدبًا، لا تُزعج أحدًا، لا تُغامر كثيرًا، لا ترفع سقف توقعاتك، انتظر دورك، كن واقعيًا، لا تخاطر بما تملك من أجل ما لا تملك.. وكل واحدة من هذه النصائح صحيحة، لكنها تصبح قاتلة حين تجتمع كلها في قلب واحد، حينها لا يتربى الطفل وحده، بل تتربى أحلامه أيضًا، فتتعلم الأحلام أن تستحي.
4 - تستحي الأحلام أن تطلب فرصة أكبر من عمر صاحبها، وتستحي أن تحلم بموقع لا يشبه بيئته، أو بكتاب يكتبه، أو مدينة يسكنها، أو امرأة يحبها، أو مشروع يبدأه من الصفر، أو حياة تختلف عن كل ما حوله.. تصبح الأحلام شديدة التهذيب، حتى إنها تعتذر عن وجودها.
5 - كلما وُلدت رغبة جديدة، قالت لصاحبها: لا أريد أن أثقل عليك.. وكلما مرت مغامرة، همست: لعل غيري أحق بها.. وكلما أشرقت فرصة، قالت: ليس هذا الوقت المناسب.. وهكذا تمضي السنوات، ولا يحدث شيء.. ليس لأن الإنسان جبان، بل لأنه كان شريفًا أكثر من اللازم، وعاقلًا أكثر من اللازم، ومهذبًا أكثر من اللازم.
6 - الحياة في مفارقة عجيبة تكافئ الفضائل كثيرًا، لكنها لا تصنع بها وحدها القصص العظيمة.. فالقصص العظيمة تحتاج إلى جانب الأخلاق، شيئًا من الجرأة.. وإلى جانب الحكمة، شيئًا من الجنون.. وإلى جانب الحسابات الدقيقة، لحظة يقرر فيها الإنسان أن يقفز قبل أن تكتمل الضمانات.
7 - الأحلام لا تطلب منا أن نكون متهورين، لكنها تطلب شيئًا واحدًا: ألا نؤجلها إلى أن يصبح تنفيذها نوعًا من الحنين المستحيل.. ولهذا يبدو بعض كبار السن حائرين أمام شبابهم القديم.. لا يقول أحدهم: ليتني لم أعمل.. ولا يقول: ليتني لم أتحمل المسؤولية.. بل يقول، في سره غالبًا: ليتني، مرة واحدة فقط، سمحت لذلك الشاب الذي في داخلي أن يقود حياتي بدلاً من أن يبقى جالساً في المقعد الخلفي.
8 - هناك، في داخل كل إنسان، شخصان لا يكفان عن الحوار.. واحد يَحْسِب، وآخر يحلم.. الأول يحميك من السقوط، والثاني يمنحك سببًا للطيران.. ومأساة بعض الناس أنهم عاشوا حياتهم كلها تحت حراسة الأول، حتى مات الثاني من فرط الانتظار.
9 - لا تموت الأحلام دائماً بسبب الفشل، بل قد تموت بسبب الطاعة.. تموت لأنها صدّقت كل المواعيد المؤجلة، وآمنت بأن الحياة ستفتح لها باباً في النهاية، ولم تكن تعلم أن بعض الأبواب لا تُفتح إلا إذا دفعتها عنوة.
10 - هناك أحلام لا يهزمها الرفض، بل يهزمها التهذيب.. ولو أنها صرخت مرة، أو كسرت موعداً، أو خالفت ترتيباً، أو طالبت بحقها في أن تكون قبل كل شيء، لربما كُتب لها عمر آخر.
11 - إننا نعلّم أبناءنا الأدب، وهذا حسن، لكننا ننسى أن نعلّمهم شيئاً آخر: أن بعض الأحلام لا تُنال بالاستئذان، وأن الحياة لا تمنح أجمل هداياها لمن ينتظر دوره دائماً، بل لمن يجرؤ أحياناً على أن يصنع دوره بنفسه.
12 - وحين يبلغ الإنسان آخر الطريق، لا يلتفت إلى الأحلام التي فشلت، فهي على الأقل خرجت إلى الضوء، وتعثرّت وهي تحاول.. وإنما يلتفت إلى الأحلام التي بقيت في الداخل، نظيفة، مرتبة، مهذبة.. لم تخطئ، لأنها لم تعش أصلاً.
13 - ما أشد قسوة هذا النوع من الموت، أن يُدفن الحلم بكامل براءته، لا لأنه هُزم، بل لأنه لم يجد في حياته كلها شجاعة صغيرة تكفي ليبدأ وينطلق.