نجاح لافي سالم التومي
تأتي زيارة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، إلى فرنسا في إطار العلاقات التاريخية والإستراتيجية التي تجمع المملكة العربية السعودية بالجمهورية الفرنسية، والتي شهدت خلال السنوات الأخيرة تطورًا متسارعًا في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والأمنية. وتمثل الزيارات الرسمية بين البلدين ركيزة أساسية لتعزيز الحوار والتنسيق المشترك لا سيما في ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة وتزايد الحاجة إلى بناء شراكات أكثر شمولًا واستدامة.
وتكتسب الزيارة أهمية خاصة بالنسبة إلى المملكة، في ظل الدور الذي تؤديه فرنسا بوصفها شريكًا دوليًا مهمًا في مسيرة التنمية والتحول التي تقودها رؤية السعودية 2030. ويشمل التعاون بين البلدين قطاعات حيوية، من أبرزها الثقافة والسياحة والتراث والطاقة والنقل والتعليم والتقنية، إلى جانب عدد من المشاريع النوعية التي تعكس تطور مستوى الشراكة بين الرياض وباريس.
وفي المقابل، تنظر فرنسا إلى المملكة باعتبارها شريكًا إستراتيجيًا واقتصاديًا محوريًا في منطقة الخليج وسوقًا واعدة للشركات والاستثمارات الفرنسية فضلًا عن أهمية التنسيق مع الرياض بشأن قضايا الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي ومن هذا المنطلق تمثل الزيارة فرصة لتعميق الشراكة الثنائية وتوسيع مجالات التعاون، وتبادل الرؤى بشأن الملفات والقضايا ذات الاهتمام المشترك.
جدير بالقول إن العلاقات السعودية - الفرنسية خلال السنوات الماضية من إطار التعاون الثنائي التقليدي إلى مستوى أكثر اتساعًا من الشراكة الإستراتيجية، يقوم على التنسيق السياسي والدبلوماسي حيال أزمات المنطقة ودعم الأمن والاستقرار الإقليمي، إلى جانب تطوير التعاون في المجالات الدفاعية والأمنية.
وتأتي هذه الشراكة في وقت تتقاطع فيه المصالح السعودية والفرنسية بشأن عدد من الملفات الإقليمية والدولية، ما يعزز أهمية استمرار التشاور بين البلدين، وتنسيق المواقف تجاه التحديات التي تواجه المنطقة والعالم.
إلى جانب حماية أمن الملاحة في البحر الأحمر وضمان استدامة سلاسل الإمداد العالمية وتنعكس هذه الملفات بصورة مباشرة على أمن الطاقة واستقرار الأسواق والاقتصاد العالمي، فضلًا عن التداعيات الجيوسياسية للأزمة الروسية - الأوكرانية.مثلت زيارة ولي العهد إلى فرنسا محطة مهمة في مسار تطوير العلاقات الاقتصادية بين البلدين والانتقال بها من أطر التبادل التجاري التقليدي إلى شراكة استثمارية وإستراتيجية أكثر شمولًا تتقاطع فيها مستهدفات رؤية السعودية 2030 مع توجهات فرنسا 2030.وبرزت في هذا الإطار فرص واسعة لتعزيز الاستثمارات المتبادلة، حيث شهدت الاستثمارات الفرنسية في المملكة نموًا ملحوظًا بالتوازي مع توسع استثمارات صندوق الاستثمارات العامة في السوق الفرنسية بما يعكس تنامي الثقة المتبادلة وعمق المصالح الاقتصادية بين البلدين.كما أسهم وجود أطر مؤسسية مثل مجلس الشراكة الإستراتيجية ومنتدى الاستثمار السعودي - الفرنسي في توفير قاعدة مستدامة لتعزيز التعاون الاقتصادي، وفتح المجال أمام مجتمع الأعمال في البلدين لتطوير مشاريع مشتركة وتسهيل دخول الشركات إلى أسواق الرياض وباريس.
ومن أبرز النماذج التي تجسد طبيعة الشراكة السعودية الفرنسية مشروع تطوير محافظة العلا، إذ يجمع بين الاستثمار في السياحة والثقافة والتراث والاستفادة من الخبرات الفرنسية في تطوير الوجهات العالمية والمحافظة على الإرث التاريخي.
وقد أسهم التعاون مع الجانب الفرنسي ومن خلال الوكالة الفرنسية لتطوير العلا «أفالا» (AFALULA)، في دعم جهود المملكة لتطوير العلا وتحويلها إلى وجهة عالمية للآثار والفنون والثقافة والسياحة بما يتوافق مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في تنويع الاقتصاد وتعزيز مكانة المملكة على خريطة السياحة العالمية.
ويمتد التعاون السعودي - الفرنسي إلى قطاعات الطاقة والاستدامة والتقنية حيث تشارك شركات فرنسية كبرى في مشاريع مرتبطة بالطاقة المتجددة والهيدروجين والاستدامة، إلى جانب مجالات النقل والتقنية والطيران.ويعكس هذا التعاون توجه البلدين نحو بناء شراكات تتجاوز الاستثمار المالي إلى نقل المعرفة والخبرات وتوطين التقنيات بما يدعم مستهدفات المملكة في بناء اقتصاد معرفي وتنويع مصادر الطاقة وتعزيز قدراتها الصناعية والتقنية.
كما يفتح التعاون في مجالات النقل الذكي والطيران والتقنيات الحديثة آفاقًا جديدة أمام الشركات والمؤسسات في البلدين ويعزز فرص إقامة مشاريع نوعية ذات أثر طويل المدى على التنمية الاقتصادية.ولم تقتصر أهمية زيارة ولي العهد إلى فرنسا على تعزيز العلاقات الثنائية فحسب، بل تكمن أهميتها في قدرتها على دفع هذه العلاقات نحو مرحلة جديدة من التكامل بين السياسة والاقتصاد والثقافة والأمن والتقنية.
كما أن الرياض وباريس رسخا بناء شراكة إستراتيجية طويلة الأمد، تستند إلى المصالح المشتركة وتبادل الخبرات وتنسيق المواقف، مع الاستفادة من الفرص التي توفرها التحولات الاقتصادية والتكنولوجية العالمية.في المحصلة، مثلت زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا محطة مفصلية في مسار العلاقات السعودية الفرنسية ورسالة واضحة بشأن رغبة البلدين في الانتقال بالشراكة من التعاون التقليدي إلى شراكة إستراتيجية متكاملة فبينما توفر رؤية السعودية 2030 فرصًا واسعة أمام الاستثمارات والخبرات الفرنسية، تمنح الشراكة مع المملكة فرنسا حضورًا أعمق في واحدة من أكثر الأسواق حيوية في المنطقة.
ومع اتساع مجالات التعاون لتشمل الاقتصاد والاستثمار والطاقة والثقافة والسياحة والدفاع والتقنية، اتجهت العلاقات السعودية الفرنسية إلى بناء نموذج أكثر استدامة وفاعلية، لا يقتصر أثره على البلدين بل يمكن أن يسهم في دعم الاستقرار الإقليمي وتعزيز النمو الاقتصادي وفتح آفاق جديدة للتعاون الدولي في مواجهة التحديات المشتركة.
** **
الحدود الشمالية - رفحاء