د.شامان حامد
حين تلتقي القيادتان السعودية والفرنسية، لا تجتمعان فقط لتجديد صداقة عمرها قرن كامل منذ 1926، بل لاختبار قدرتهما على تحويل لحظة إقليمية شديدة الاضطراب إلى فرصة اقتصادية مشتركة، فالذي يجري في مضيق هرمز وباب المندب وغيرهما لم يعد شأنًا أمنيًا بحتًا، بل أصبح عاملًا مباشرًا في رسم خرائط الاستثمار والطاقة بين الرياض وباريس، إذ وصفت الرئاسة الفرنسية المملكة بأنها حلقة وصل مركزية لطرق الإمداد بين أوروبا والشرق الأوسط، وهو وصف لم يأتِ من فراغ. فاجتماع وزاري عُقد على هامش الزيارة خصص بالكامل لبحث تنويع مسارات نقل الطاقة، عبر بدائل بحرية وخطوط أنابيب ومشروعات سكك حديدية إقليمية. هذا التحول يعني أن السعودية تنتقل تدريجيًا من موقع «المورّد» إلى موقع «الضامن» لاستقرار سلاسل الطاقة الأوروبية.
لقد وصل عدد الشركات الفرنسية العاملة في السعودية أكثر من 170 شركة، منها نحو 30 شركة حصلت على تراخيص مقار إقليمية في الرياض خلال السنوات الأخيرة. وفي المقابل، أعلن صندوق الاستثمارات العامة عن خطط لرفع إجمالي استثماراته ومشترياته في أوروبا إلى نحو 170 مليار دولار بحلول مطلع العقد المقبل، بعد أن كانت هذه الاستثمارات محصورة في صفقات متفرقة قبل أقل من عقد. ومن اللافت أن الزيارة لم تقتصر على القصور والغرف المغلقة؛ فقد شهدت باريس، بحضور القيادتين، ختام النسخة الأولى من كأس العالم للرياضات الإلكترونية التي تُقام خارج المملكة، في إشارة إلى اتساع رقعة التعاون لتشمل الاقتصاد الرقمي والترفيه، إلى جانب الملفات التقليدية في الطاقة والدفاع والصحة والنقل.
وتحدثت تقارير فرنسية عن مشروع مدينة ترفيهية ضخمة مستوحاة من أحد أشهر الأعمال الفنية اليابانية، شمال غرب باريس، باستثمارات سعودية محتملة تُقدَّر بمليارات اليوروهات إذا اكتمل الاتفاق. مشروع من هذا النوع، إن تحقق، سيكون أول استثمار سعودي كبير في قطاع الترفيه داخل الأراضي الفرنسية، ومؤشرًا على اتساع شهية رأس المال السعودي خارج القطاعات التقليدية.. لكن الاختبار الحقيقي لهذه الزيارة لن يظهر في بيان ختامي، بل في مدى قدرة البلدين على ترجمة التفاهمات الأمنية والاقتصادية إلى مشروعات نقل وطاقة ملموسة خلال الأشهر المقبلة. فحين يتقاطع الأمن بالاستثمار، تصبح كل أزمة إقليمية اختبارًا لصلابة الشراكات القائمة، لا تهديدًا لها فحسب.