«الجزيرة» - وائل العتيبي:
في الحلبة، لا تُقاس المسافة بين ملاكم وآخر بعدد الخطوات، بقدر ما تُقاس بالقدرة على قراءة اللحظة، وتحمل الضغط، واتخاذ القرار في جزء من الثانية. وربما تصلح هذه القاعدة وصفًا لمسيرة الملاكمة السعودية نفسها؛ إذ قطعت اللعبة، خلال أكثر من أربعة عقود، مسافة تتجاوز حدود الحلبة، وانتقلت من حضور محدود في المشهد الرياضي إلى منظومة آخذة في الاتساع، تضم أندية ومنافسات ومواهب رجالية ونسائية، وتبحث عن موقع أكثر رسوخًا على الخريطة الدولية.
ومع حلول اليوم العالمي للملاكمة في 27 أغسطس، تبرز التجربة السعودية بوصفها قصة تحول لا تختصرها الميداليات؛ فالمشهد يتصل بتغير نظرة المجتمع إلى الملاكمة، واتساع قاعدة ممارسيها، وتطور بنيتها المؤسسية، وظهور منافسات محلية أكثر انتظامًا، وصولًا إلى بروز ملاكمين وملاكمات سعوديين على منصات المنافسة الدولية.
أربعة عقود من البناء
تعود البدايات المؤسسية للملاكمة السعودية إلى عام 1980، حين كانت اللعبة ضمن منظومة ألعاب القوة، قبل أن تمر بمراحل تنظيمية متعاقبة؛ فبعد أن اجتمعت الملاكمة والمصارعة في اتحاد واحد، فُصلت الرياضتان في يوليو 2013، ليصبح لكل منهما اتحاد مستقل.
وتكشف هذه المسيرة أن نمو الملاكمة لم يكن وليد مرحلة واحدة، بل حصيلة تراكم داخل الأندية والبطولات، وفي إعداد اللاعبين والحكام، وتوسيع قاعدة الممارسة، وصولًا إلى بناء كيان إداري أكثر تخصصًا يتعامل مع اللعبة باعتبارها منظومة متكاملة تشمل اللاعب والمدرب والحكم والمنافسة والاحتكاك الدولي.
وفي الذاكرة الرياضية السعودية، تبرز دورة الألعاب الآسيوية في هيروشيما عام 1994 بوصفها إحدى المحطات المبكرة اللافتة؛ إذ حقق يوسف هوساوي فضية وزن 91 كجم، ونال جمعان الصغير برونزية وزن 60 كجم، في إنجاز أكد قدرة الملاكم السعودي على الوصول إلى منصة آسيوية.
من القفاز إلى الثقافة الرياضية
لكن التحول الأعمق لم يكن في عدد المنافسات وحده، بل في تغير موقع الملاكمة داخل المجتمع الرياضي.
فبعد أن ارتبطت اللعبة في الوعي العام بالقوة البدنية والاحتكاك المباشر، أخذت تظهر بصورة أكثر اتساعًا؛ رياضة تقوم على اللياقة والسرعة والتوازن والانضباط والذكاء التكتيكي والقدرة على التحكم في الحركة والانفعالات.
وبهذا المعنى، لم تعد الملاكمة نشاطًا محصورًا في المنافسة على الحلبة، بل أصبحت مساحة لتطوير اللياقة والمهارة، ورافدًا لاكتشاف المواهب، ومسارًا يمكن أن يقود من النادي إلى المنتخب، ومن المنافسة المحلية إلى المحافل الدولية.
الأمير عبدالعزيز بن تركي.. الرياضة جسر إلى العالم
وفي قراءة التحول السعودي في الملاكمة، تبرز رؤية صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن تركي الفيصل، وزير الرياضة ورئيس اللجنة الأولمبية والبارالمبية السعودية، الذي ربط استضافة النزالات الكبرى بمفهوم أوسع للحضور الرياضي السعودي.
فخلال الإعلان عن نزال الدرعية التاريخي عام 2019، أكد سموه أن الرياضة «وسيلة تواصل مع العالم أجمع ورسالة محبة من المملكة للعالم»، مشيرًا إلى أن استضافة النزال تمثل فرصة لعكس صورة المملكة أمام الزوار من مختلف أنحاء العالم.
وبذلك، لم تكن استضافة الملاكمة العالمية مجرد فعالية جماهيرية، بل جاءت ضمن تصور يرى الرياضة وسيلة للتواصل والانفتاح، ويمنح الألعاب المختلفة، ومنها الملاكمة، دورًا في تقديم المملكة إلى جمهور عالمي.
ومع توالي استضافة النزالات العالمية في الدرعية وجدة والرياض، اتسع حضور الملاكمة في المشهد السعودي، وأصبحت الحلبة جزءًا من صناعة رياضية وترفيهية تستقطب النجوم والجماهير والإعلام الدولي.
الاتحاد.. من إدارة اللعبة إلى صناعة مسار للملاكم
وفي أبريل 2025، انتُخب المستشار تركي بن عبدالمحسن آل الشيخ رئيسًا لمجلس إدارة الاتحاد السعودي للملاكمة للدورة الانتخابية 2024–2028، في خطوة أضافت بعدًا جديدًا إلى مسار اللعبة السعودية.
ويأتي تولي آل الشيخ رئاسة الاتحاد بعد سنوات من حضوره في المشهد العالمي للملاكمة من بوابة استضافة وتنظيم النزالات الكبرى، وهو حضور تجاوز تنظيم الحدث إلى طرح رؤية أكثر اتساعًا لمستقبل اللعبة وصناعتها.
وتقوم رؤيته على دفع الملاكمة نحو مزيد من التنافسية والجاذبية، وجمع أفضل الملاكمين في نزالات كبرى، وفتح المجال أمام المواهب الصاعدة، وتعزيز حضور المملكة في صناعة الملاكمة العالمية. ومن هنا لم تعد الاستضافة غاية في حد ذاتها، بل تحولت إلى نافذة يمكن من خلالها تطوير اللعبة محليًا وربط الملاكم السعودي بالمشهد الدولي.
وبين رؤية الأمير عبدالعزيز بن تركي الفيصل التي تجعل الرياضة جسرًا للتواصل مع العالم، ورؤية تركي آل الشيخ التي تدفع باتجاه حضور سعودي أكثر تأثيرًا في صناعة الملاكمة، تتشكل مرحلة جديدة للعبة؛ مرحلة لا تكتفي باستضافة النجوم العالميين، بل تسعى إلى صناعة نجوم سعوديين قادرين على مقارعتهم.
الألعاب السعودية.. الحلبة الوطنية لاكتشاف المواهب
ومن أبرز المنصات التي أسهمت في توسيع قاعدة المنافسة دورة الألعاب السعودية، التي منحت الملاكمة مساحة وطنية لاكتشاف المواهب وإبرازها.
وفي منافسات 2023، ظهرت أسماء رجالية ونسائية في مختلف الأوزان، بينها إبراهيم الجهني، ومهند مجرشي، وفواز اللهيبي، وماجد مجاهد، ويوسف الياس، إلى جانب سارة الشهراني وماجدة الضالعي ورغد النعيمي في منافسات السيدات.
وفي نسخة 2024، واصلت المنافسات تقديم أسماء جديدة، من بينها موسى الهوساوي ورغد النعيمي وهديل عاشور وغيرهم، بما يعكس اتساع قاعدة المشاركة وارتفاع مستوى المنافسة المحلية.
ولا تكمن قيمة هذه البطولات في الميدالية وحدها؛ فهي تمثل حلقة في مسار اللاعب، تبدأ من النادي، وتمر بالمنافسات الوطنية، ثم المنتخب، فالاحتكاك الآسيوي والدولي.
المرأة تدخل الحلبة
ومن أكثر التحولات دلالة في المشهد الجديد اتساع حضور المرأة السعودية في الملاكمة.
ففي دورة الألعاب السعودية 2023، حققت سارة الشهراني ذهبية وزن 50 كجم، وماجدة الضالعي ذهبية وزن 57 كجم، فيما نالت رغد النعيمي فضية الوزن نفسه. وفي نسخة 2024، واصلت الملاكمات السعوديات حضورهن في المنافسات، ومنهن هديل عاشور ورغد النعيمي ونورة المطيري.
كما شهد نزال الحقيقة في الدرعية عام 2023 مشاركة رغد النعيمي، التي سجلت فوزًا بالضربة القاضية الفنية، ووصفتها وكالة الأنباء السعودية بأنها أول بطلة سعودية في بطولة رسمية للملاكمة.
وهكذا لم تعد الحلبة السعودية مساحة رجالية خالصة؛ بل أصبحت المرأة جزءًا من المشهد التنافسي، بما يعنيه ذلك من اتساع قاعدة الممارسة وظهور نماذج جديدة أمام الفتيات، وتحول الملاكمة إلى خيار رياضي مفتوح أمام الجميع.
من البطولة إلى صناعة الملاكم
تتجه الملاكمة السعودية اليوم إلى مفهوم أكثر شمولًا من إقامة البطولات؛ إذ بات التحدي الحقيقي هو بناء رحلة متكاملة للملاكم، تبدأ باكتشاف الموهبة، ثم التدريب والتأهيل، فالمنافسة المحلية، والاحتكاك الدولي، وصولًا إلى المنتخب والمسار الاحترافي.
ويظهر هذا التوجه في روزنامة الاتحاد وبرامج المنافسات، وفي اتساع المشاركة في البطولات المناطقية والنخبة. ففي بطولة المنطقة الغربية والجنوبية للنخبة لعام 2026، شارك 88 لاعبًا ولاعبة يمثلون 15 ناديًا، ضمن برامج تستهدف رفع الجاهزية الفنية وصناعة قاعدة أوسع من المواهب الوطنية.
وفي أبريل 2026، كشفت بطولة «حزام المملكة» عن اتساع أكبر لقاعدة المنافسة، بعدما شارك في أدوارها التمهيدية أكثر من 429 لاعبًا ولاعبة، قبل أن تختتم بتتويج أبطال وبطلات في 20 وزنًا.
وهنا تتضح النقلة: لم يعد الهدف مجرد إقامة بطولة ثم إعلان الفائز، وإنما بناء مسار تنافسي متدرج يحافظ على الموهبة ويمنحها فرصًا متكررة للتطور والاحتكاك.
2026.. سبع ذهبيات تفتح الباب
إذا كانت السنوات الماضية قد أرست ملامح البنية الجديدة، فإن عام 2026 حمل واحدة من أبرز العلامات على نضج هذا المسار.
ففي بطولة براغا المفتوحة للملاكمة 2026 في البرتغال، حقق المنتخب السعودي 17 ميدالية، بينها سبع ذهبيات وخمس فضيات وخمس برونزيات، في أكبر حصيلة ميداليات للاتحاد السعودي للملاكمة في بطولة دولية واحدة، كما سجلت البطولة أول ذهبيات دولية في تاريخ الاتحاد.
وحمل الذهب أسماء نواف العنزي، وعبدالرحمن الحميدان، وفارس المالكي، وفراس الصبحي، ونواف عواجي، وعبدالرحمن صادق، وريفال المحيسن، فيما جاءت بقية الميداليات عبر مجموعة أخرى من الملاكمين والملاكمات السعوديين.
وتتجاوز أهمية هذه الحصيلة الرقم؛ فالذهب الدولي للمرة الأولى يعني أن الملاكمة السعودية بدأت تنتقل من مرحلة المشاركة والاحتكاك إلى مرحلة المنافسة المباشرة على منصات التتويج.
من الإنجاز إلى الطموح الأولمبي
ولا يتوقف سقف الطموح عند البطولات المفتوحة؛ فالمشاركة في الاستحقاقات القارية والدولية، والوصول إلى المنافسات الأولمبية والشبابية، يمثلان الاختبار الأهم لأي منظومة رياضية تبحث عن الاستدامة.
وفي هذا المسار، ظهر الملاكمون السعوديون في منافسات إقليمية ودولية متعددة، من بينها دورة ألعاب التضامن الإسلامي «الرياض 2025»، التي شهدت تأهل موسى الهوساوي إلى نصف نهائي وزن 65 كجم، إلى جانب حضور الملاكمات السعوديات في الأدوار المتقدمة.
فالهدف النهائي لا ينبغي أن يكون ميدالية عابرة في بطولة، بل إنتاج أجيال متعاقبة قادرة على المنافسة في البطولات القارية والعالمية، والوصول إلى أعلى درجات المنافسة الأولمبية.
حين خرجت الملاكمة من الصالات
في موازاة هذا التطور المحلي، أسهمت الفعاليات العالمية التي استضافتها المملكة في تغيير صورة الملاكمة لدى الجمهور.
فالنزالات الكبرى التي أقيمت في الدرعية والرياض وجدة جعلت الحلبة جزءًا من المشهد الرياضي والترفيهي واسع النطاق، وجمعت الجمهور السعودي بأسماء عالمية في اللعبة، في وقت أصبحت فيه المملكة واحدة من أبرز الوجهات العالمية لاستضافة النزالات الكبرى.
لكن القيمة الأهم لهذه الاستضافات أنها أتاحت للملاكم السعودي أن يظهر إلى جوار النجوم العالميين، كما حدث في «نزال الحقيقة» بالدرعية عام 2023، عندما شارك أربعة ملاكمين سعوديين ضمن الحدث العالمي، وحققوا انتصارات لافتة، من بينهم رغد النعيمي وزياد مجرشي وسلمان حمادة وزياد المعيوف.
وهنا تلتقي الاستضافة العالمية مع التطوير المحلي: العالم يأتي إلى السعودية، والملاكم السعودي يجد في الوقت نفسه فرصة للظهور أمام العالم.
من هيروشيما إلى براغا
بين فضية يوسف هوساوي وبرونزية جمعان الصغير في هيروشيما 1994، والذهبيات السبع التي حصدها المنتخب في براغا 2026، تمتد أكثر من ثلاثة عقود من العمل والتراكم.
إنها مسافة لا تختصرها الميداليات؛ فقد تغيرت خلالها البنية المؤسسية، واتسعت قاعدة الممارسين، ودخلت المرأة الحلبة، ونمت البطولات المحلية، وتزايد الاحتكاك الدولي، وأصبح للملاكمة حضور في الأحداث الرياضية الكبرى.
والأهم أن السؤال تغيّر
لم يعد السؤال: هل تستطيع الملاكمة السعودية أن تثبت وجودها؟
بل أصبح: إلى أي مدى تستطيع أن تنافس؟ وكم بطلًا يمكن أن تصنع؟
القفاز السعودي.. من إثبات الوجود إلى صناعة الأبطال
بعد أكثر من أربعة عقود على تأسيس بنيتها المؤسسية، تدخل الملاكمة السعودية مرحلة مختلفة؛ مرحلة لا يكفي فيها اتساع قاعدة الممارسة، ولا تنظيم البطولات، ولا حتى استضافة أبطال العالم.
الاختبار الحقيقي هو الاستدامة: أن تتحول الموهبة إلى مشروع، والمشروع إلى ملاكم، والملاكم إلى بطل، وأن يصبح الطريق من النادي إلى المنتخب، ومن المنافسة المحلية إلى المنصة الدولية، طريقًا واضحًا ومتاحًا لأجيال جديدة.
ومن هنا تبدو قصة الملاكمة السعودية أكبر من قصة لعبة قتالية؛ إنها جزء من التحول الرياضي الذي تشهده المملكة، حيث تلتقي البنية المؤسسية مع الاستثمار في الإنسان، والبطولات المحلية بالاحتكاك الدولي، واستضافة نجوم العالم بصناعة النجوم السعوديين.
في 1994، طرق القفاز السعودي باب المنصة الآسيوية.
وفي 2026، وصل إلى الذهب الدولي.
وبين المحطتين، تغيّرت الحلبة، وتغيّر الجمهور، وتغيّرت الطموحات.
فالملاكمة السعودية لم تعد تبحث عن مكان لها داخل الصالات؛ بل بدأت تبحث عن مكان لها فوق منصات التتويج العالمية.