محمد بن عبدالله آل شملان
في عالم يموج بالتحولات المتسارعة، وتتقاذفه أمواج الاضطرابات الإقليمية والدولية، تبدو «الطمأنينة» التي نعيشها اليوم في المملكة أشبه بمعجزة مستمرة، لكن المتأمل في عمق التجربة السعودية يدرك تماماً أن الأمن هنا لم يكن يوماً محض مصادفة زمنية، أو مجرد إجراءات ميدانية عابرة، بل هو «فلسفة بناء» وعقيدة راسخة تلازم فيها أمان الإنسان مع نماء الأوطان.
من هذا المنطلق الفلسفي، يأتي مؤتمر «حوار الأمن والتاريخ 2026»، الذي ينعقد قريباً في قصر الثقافة بحي السفارات بالرياض، خلال الفترة من 6 إلى 8 سبتمبر 2026م، تحت الرعاية الكريمة لصاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سعود بن نايف بن عبدالعزيز، وزير الداخلية، ليطرح رؤية فكرية نحتاجها جميعاً اليوم قبل الغد. شعار المؤتمر «تاريخنا ومستقبلنا.. أمن ونماء» يختزل في حقيقته المعادلة الوجودية للدولة السعودية منذ تأسيسها.
إن القيمة الحقيقية لهذا المؤتمر في نسخته المتوسعة هذا العام امتداداً لمنتدى عام 2025م ـ تكمن في قدرته على فك شفرة الاستقرار السعودي ومأسسة الذاكرة الوطنية. عندما تلتقي دارة الملك عبدالعزيز بما تمثله من عمق تاريخي وجذور أصيلة، مع القوى الرقمية المتمثلة في أكاديمية طويق وشركة « تحكم»، تحت مظلة الشراكة الاستراتيجية مع الهيئة الملكية لمدينة الرياض، فإننا لا نتحدث هنا عن مجرد استعراض للماضي، بل نحن أمام عملية «هندسة واعية للمستقبل».
إنهم يجمعون أكثر من 160 خبيراً ومتحدثاً في 50 جلسة حوارية، لا ليحدثونا عن الأمن بمفهومه الجنائي الضيق، بل ليناقشوا «الأمن الشامل»؛ أمن الفكر والوعي والاعتدال والمواطنة، وهنا يبرز السؤال الوجودي: كيف نحمي عقول أجيالنا القادمة في عصر الانفتاح الرقمي؟ الإجابة تكمن في إنتاج محتوى معرفي موثق يربط الشاب بجذوره، ليعلم أن الرخاء الاقتصادي الذي ينعم به، والمشاريع المليارية لرؤية السعودية 2030 التي يراها تنهض حوله، ما كانت لتتحقق لولا وجود سياج أمني صلب يحمي المنجزات ويحفز الاستثمار ويحسّن جودة الحياة.
اللافت والذكي في تنظيم هذا المؤتمر هو «أنسنة الطرح» والخروج من قوالب الأوراق الأكاديمية الجافة، عبر تقديم منصات تفاعلية مثل «مسرح الأمن والتاريخ» لإشراك الشباب وطلبة الدراسات العليا في سرد قصص الوطن، واستخدام التقنيات البصرية في «مسار الأمن» لاستعراض تطور المنظومة الأمنية، وهي أدوات ذكية تخاطب لغة الجيل الجديد. إنها تنقل التاريخ من رفوف المكتبات المنسية إلى وجدان وعقول صناع المستقبل.
في تقديري، إن مؤتمر «حوار الأمن والتاريخ 2026» ليس مجرد حدث عابر في أجندة الفعاليات السنوية لوزارة الداخلية؛ بل هو مشروع فكري وطني مستدام يستهدف «صناعة الوعي». إن الحفاظ على الأمن هو أمانة تاريخية ومسؤولية مجتمعية مشتركة يبدأ خط دفاعها الأول من وعي المواطن واعتداله الفكري. هنيئاً لنا هذا الحراك الفكري الرصين، وحفظ الله وطناً يكتب تاريخه بالسهر، ويشيد مستقبله بالضوء والنماء، في ظل عصرنا الميمون الزاهر، عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود - حفظهما الله.