فاطمة الجباري
شتّان بين من يسكب ما تعلّم وقرأ على السطور، وبين من يدوّن شعوره بحبر التجربة.
فالمعرفة التي نقرأها قد تمنحنا القدرة على الحديث، وتُكسبنا مفردات جميلة، وتفتح لنا أبوابًا واسعة من الفهم، لكن التجربة وحدها تمنح الكلمات روحها، وتجعلها تخرج من القلب قبل أن تمرّ على اللسان.
هناك من يتحدث عن الصبر لأنه قرأ عنه، وهناك من يتحدث عنه لأنه انتظر طويلًا حتى كاد الانتظار أن يهزمه، ثم بقي واقفًا.
هناك من يكتب عن الفقد من بين صفحات الكتب، وهناك من يكتب عنه وقلبه يعرف جيدًا معنى أن تبحث عن صوتٍ لن يعود، وعن وجهٍ غاب وبقيت تفاصيله تسكن الذاكرة.
وهناك من ينصحك ألّا تتعلق، لأنه قرأ عن التعلّق، ومن يحذّرك من الخذلان لأنه ذاقه، وعرف كيف يمكن لموقف واحد أن يعيد ترتيب نظرتك إلى أشخاص كنت تظن أنهم آخر ما يمكن أن يؤلمك.
التجربة لا تعلّمنا المعلومة فحسب، بل تغيّرنا.
فما نتعلمه من الكتب قد يسكن عقولنا، أما ما نتعلمه من الحياة فيسكن أرواحنا.
قد تقرأ مئة مقال عن التسامح، لكنك لن تعرف معناه الحقيقي حتى يقف أمامك شخص أساء إليك، ويكون بين يديك خياران: أن تحمل الإساءة معك بقية العمر، أو أن تضعها جانبًا وتمضي أخفّ قلبًا.
وقد تقرأ كثيرًا عن قيمة الإنسان، لكنك لن تدركها حقًا إلا حين تمرّ بمرحلة تشعر فيها أنك لم تعد مهمًا في حياة من أحببت، ثم تكتشف أن قيمتك لم تكن يومًا رهينة بمن اختار أن يبقى أو يرحل.
لهذا، ليست كل الكلمات متساوية.
بعض الكلمات معلومة، وبعضها حكمة، وبعضها وجعٌ نضج حتى أصبح حكمة.
والقارئ الجيد قد يعرف ماذا يقول، أما صاحب التجربة فيعرف متى يقول، وكيف يقول، ولماذا يقول.
إن أجمل ما في التجارب أنها تجعل الإنسان أكثر تواضعًا أمام الحياة؛ فكلما عرف أكثر، أدرك أن الناس لا يعيشون الظروف نفسها، وأن وراء كل صمت حكاية، ووراء كل قسوة خوفًا، ووراء كل انسحاب معركة ربما لا نراها.
التجربة تجعلنا أقل استعجالًا في الحكم، وأكثر رحمة في الفهم.
تعلّمنا أن الإنسان قد يبدو قويًا وهو في داخله يبحث عن كتف، وقد يبدو باردًا لأنه احترق كثيرًا، وقد يبتعد لا لأنه لا يحب، بل لأنه يخشى أن يخسر نفسه مرة أخرى.
ولذلك، حين يكتب الإنسان من تجربته، لا تكون كلماته مجرد حروف مرتبة؛ إنها أجزاء من عمره.
كل جملة وراءها موقف، وكل حكمة وراءها ألم، وكل هدوء وراءه شيء كان يمكن أن يكسر الإنسان لكنه اختار أن يجعله أكثر نضجًا.
وربما لهذا نميل إلى بعض النصوص دون غيرها.
نشعر أن الكاتب لم يكتب لنا، بل كتب منّا.
كأن كلماته جاءت لتقول ما عجزنا عن قوله، وتلمس موضعًا في أرواحنا ظللنا نخفيه حتى عن أنفسنا. فليس أعظم من أن يمتلك الكاتب قاموسًا واسعًا، وإنما من يمتلك قلبًا عاش، وتأمل، وتألم، وتعلّم، ثم استطاع أن يحوّل كل ذلك إلى معنى يصل إلى الآخرين.
فالعلم يملأ السطور، أما التجربة فتنفخ فيها الروح.
وشتّان بين حبرٍ خرج من قلمٍ يعرف الحروف، وحبرٍ خرج من قلبٍ عرف الحياة.
الأول قد يدهشك لحظة..
أما الثاني، فقد يبقى معك عمرًا كاملًا.