مهدي العبار العنزي
حين جاد العرب بمثلهم الخالد «الجار قبل الدار»، وضعوا حجر الأساس لفلسفة مجتمعية متكاملة تقوم عليها الطمأنينة والسكينة، فالبيت مهما اتسعت رعاته وتزينت جدرانه، يظل موحشاً إذا افتقر إلى جيرَة صالحة تملأ المكان دفئاً وأمناً. غير أن الواقع المعاصر بات يشهد جفاءً ملحوظاً وتباعداً وجدانياً بين الجيران، تحولت معه الشاشات المغلقة والعزلة الاختيارية إلى حواجز سميكة بين من تجمعهم أسوار الحي الواحد، بل وامتد هذا المفهوم ليتسع إلى فضاء العلاقات بين الدول والبلدان المجاورة التي لا غنى لها عن قيم الجوار الحق.
أولاً: في رحاب النصوص والآثار.. عظمة حق الجار.
لم تترك الشريعة الإسلامية أمراً من أمور الألفة إلا وأطرته؛ فقد تواترت الآيات والأحاديث لتؤكد مكانة الجار، حتى قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه».
وفي هذا المعنى، يقول الإمام علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- محذراً وموجهاً: وقد أدرك الحكماء العرب قديماً أن قيمة الجار تتجاوز حدود الجغرافيا إلى كونه السند والدرع الحقيقي في النوائب؛ وفي حفظ ذمام الجار وإكرامه، يقول الشاعر مبيناً خلق العربي الأصيل:
ونكرم جارنا ما دام فينا
ونتبعه الكرامة حيث زالا
ثانياً: مظاهر التباعد بين جيران اليوم..
على الرغم من تلاصق الجدران وتعدد الطوابق في المدن الحديثة، إلا أن الهوة الاجتماعية اتسعت بشكل لافت، وتتلخص أبرز ملامح هذا التباعد فيما يلي:
- العزلة الرقمية: طغت وسائل التواصل على التواصل الإنساني الحي، فباتت التحية تقتصر على شاشات الهواتف إن وجدت.
- انتظار المبادرة: غدت العلاقات رهينة الخجل أو الاستغناء المزعوم، وبات كل جار ينتظر من الآخر خطوة الوصل.
ثالثاً: الجوار على مستوى الدول.. قيم وأخلاق حاكمة..
لا ينفك مفهوم الجوار عن واقع العلاقات الدولية؛ فالأوطان تجاور بعضها كما يتجاور الأفراد، وحق الجار على مستوى الدول يقتضي بالضرورة أن يتحلى الجيران بالقيم السامية التي أمر بها الإسلام من حسن عهد، وعدم إضرار، وحفظ للحقوق والمواثيق.
- حسن الوفادة والتعايش: الدول العظيمة تثبت قيمتها بحسن جوارها، وتقديم نموذج في الاستقرار ونشر السلام وعدم التدخل السلبي.
- العدل ورفع الضرر: كما نهى الشرع عن أذية الجار الفرد، فإن الجوار بين الدول يحتم دفع الشرور، وفتح قنوات التعاون المثمر، والتكامل الاقتصادي والثقافي، بعيداً عن سياسات الهيمنة.
- الأمن المشترك: جار السوء آفة تهدد السكينة الإقليمية، بينما الجار الحق هو من يمثل عمقاً إستراتيجياً وأمناً متبادلاً لشقيقه.
خاتمة: نحو استعادة الروح الأولى..
إن إحياء مفهوم «الجار قبل الدار» على مستوى الأفراد يبدأ بخطوات بسيطة؛ ككلمة طيبة، وتفقد لمريض، ومبادرة سلام تذيب الجليد. وعلى مستوى الدول والمجتمعات، يظل الالتزام بالأخلاق والقيم الإنسانية والإسلامية العليا هو الضمانة الوحيدة لتحقيق الأمن والاستقرار والرخاء المشترك.
والله الهادي الى سواء السبيل.