هيا الدوسري
من أكثر ما يلفت انتباهي كثرة الإشاعات في بعض الأوساط، حتى تكاد تنتشر كما ينتشر المرض المعدي، والعجيب أن مطلقيها لا يكتفون بنقل الأخبار، بل يضيفون إليها من (البهارات) ما يجعلها أكثر إثارة وأشد تأثيرًا.
ما الذي يدفع الإنسان إلى اختلاق إشاعة؟ أهو الفراغ؟ أم الرغبة في إثارة الفتنة؟ أم المنافسة التي تتحول إلى حقد وحسد، فيصبح تشويه الآخرين وسيلة للشعور بالتفوق؟
الإشاعة ليست مجرد كذبة عابرة، بل هي ظاهرة اجتماعية تكشف طبيعة المجتمع؛ فكلما ضعفت ثقافة التثبت، واشتدت المنافسة، واتسعت الفجوة في الثقة، وجدت الإشاعة بيئة خصبة للانتشار.
الإشاعة لا تعرف حجمًا ولا مكانًا؛ فقد تبدأ من حديث عابر بين بائعات في سوق شعبي، ثم تكبر حتى تهدم العلاقات، وقد تُستخدم على مستوى الدول لتضليل الرأي العام، وتشويه السمعة، وصناعة صورة زائفة تخدم أهدافًا سياسية أو اقتصادية.
إنها السلاح نفسه، وإن اختلفت ساحات استخدامه؛ ففي الحالتين يُستبدل الصدق بالكذب، والحقائق بالأوهام، ويصبح المتلقي ضحية لمن يتقن صناعة الوهم.
ولعل أخطر ما في الإشاعة أنها لا تحتاج إلى دليل كي تنتشر، وإنما تحتاج إلى آذان تستمتع بسماعها وألسنة تتسابق إلى ترديدها، لذلك لا تموت الإشاعات حين يكف الكاذب عن اختلاقها، بل تموت حين يرفض الناس أن يكونوا جسرًا لعبورها.
لقد لاحظت أن الإشاعة تكاد تكون حاضرة في كل محيط تحكمه المنافسة؛ بين الفنانين والمشاهير، وفي بيئات العمل، وحتى بين الباعة في الأسواق البسيطة. وكثيرًا ما نسمع إشاعات عن زواج أو طلاق أو وفاة، يطلقها مغرضون بدافع لفت الأنظار، أو الإضرار بالمنافسين، أو تصفية الحسابات. كما تُستخدم الإشاعة على مستوى الدول وسيلةً للتضليل، أو للتأثير في الرأي العام، أو لإشغال الناس عن قضايا أكثر أهمية.
ورغم أن الإشاعة تُعد من أخطر أمراض المجتمعات، فإنها أصبحت في عصرنا وقودًا يحرك الرأي العام؛ فهي حرب باردة في ظاهرها، لكنها ساخنة في أثرها. قد تُفسد سمعة إنسان، أو تزرع الشك بين الناس، أو تثير الفتن، لكن أثرها قد يدفع أيضًا إلى كشف حقيقة، أو فتح تحقيق، أو إعادة النظر في قضية كانت غائبة عن الأنظار، وهذا لا يعني أن الإشاعة محمودة، بل يعني أن آثارها قد تقود أحيانًا إلى نتائج لم يكن أصحابها يقصدونها.
ومن غرائب الإشاعات أننا قد نسمع خبرًا كاذبًا اليوم، ثم تمضي الأيام فإذا بحدثٍ مشابه يقع على أرض الواقع، فيظن بعضهم أن الإشاعة كانت حقيقة، بينما هي في الأصل لم تكن إلا كذبًا وافق وقوعُه حدثًا لاحقًا.
ولهذا تبقى الإشاعة سلاحًا خطيرًا؛ قد يشعل الحديث، لكنه لا يبني الحقيقة، وقد يلفت الانتباه، لكنه كثيرًا ما يهدم الثقة، ويترك في النفوس جراحاً لاتمحوها الأيام.
وربما يبقى السؤال الأعمق: هل نصدق الإشاعة لأنها مقنعة، أم لأنها تشبع رغبة خفية في داخلنا؟ فبعض الناس يصدقون ما يوافق أهواءهم، لا ما تؤيده الأدلة. ومن هنا كانت الإشاعة تجد طريقها إلى العقول قبل أن تجد طريقها إلى الحقائق.
قال رسول الله: «كفى بالمرء كذبًا أن يُحدِّث بكل ما سمع» رواه مسلم.