د. أحلام علي أحمد أبو قايد
تمثل المواقع التراثية في المملكة العربية السعودية ذاكرة وطنية حية، تحفظ شواهد الحضارات المتعاقبة، وتعكس العمق التاريخي والثقافي لهذا الوطن المعطاء.
ومع انطلاق رؤية المملكة 2030 حظي قطاع التراث باهتمام غير مسبوق من خلال إنشاء هيئة التراث بعد صدور قرار مجلس الوزراء رقم (398) وتاريخ 10-6-1441هـ الموافق 4-2-2020م بإنشائها والتي تهدف إلى تنظيم قطاع التراث وتطويره وحماية المواقع الأثرية والتراثية وإدارتها بفاعلية، مع تطوير الأنظمة واللوائح وتشجيع الأبحاث وتنمية المواهب وتوظيف التقنيات الرقمية، وتعزيز الشراكات المحلية والعالمية لدعم الإرث الثقافي الوطني، إذ لم تعد المحافظة على المواقع التراثية مقتصرة على أعمال الحماية والصيانة، بل امتدت إلى إعادة تأهيلها وتطويرها لتصبح وجهات ثقافية وسياحية تسهم في التنمية الاقتصادية وتعزز الهوية الوطنية.
حيث وضعت الهيئة برامج عملاقة لصيانة وترميم التراث الأثري، وتبرز العديد من التجارب الوطنية بوصفها نماذج في هذا المجال من أبرزها تطوير منطقة الدرعية التاريخية، وأحياء جدة التاريخية، وتأهيل قرية رجال ألمع التاريخية وغيرها الكثير، فقد كان الهدف من تلك المشروعات العملاقة إحياء المدن الأثرية. وقد انطلق مشروع أحياء جدة التاريخية في عام 1442هـ/ 2021م برعاية صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء- يحفظه الله- والمعروف أن جدة التاريخية مدرجة في قائمة اليونسكو UNESCOللتراث العالمي منذ عام 1435هـ/2014م وتضم المدينة أكثر من 600 مبنى تراثي و36 مسجدًا تاريخيًا بالإضافة إلى الأسواق التراثية القديمة.
ومنذ انطلاق مشروع أحياء جدة التاريخية وإلى يومنا هذا حقق المشروع الكثير من الإنجازات منها إنفاذ ما يقارب من 240 مبنى كان مهددا بالانهيار، وتجهيز نحو 35 مبنى كمقرات ثقافية وفنادق تاريخية مثل منزل جوخدار ومنزل الريس، كما تم الكشف خلال أعمال الترميم عن أكثر من 25 ألف أثر يعود أقدمها للقرن الأول الهجري نهاية السادس وبداية السابع الميلادي منها ساريتان من خشب الأبنوس في مسجد الصحابي الجليل عثمان بن عفان- رضي الله عنه- والكثير من الأواني الخزفية الإسلامية بل والصينية التي تعود إلى أسرة مينغ النادرة.
ومن النماذج الوطنية الناجحة أيضًا مبادرة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء- يحفظه الله- لترميم وتأهيل 13 مسجدًا تاريخيًا في مختلف المناطق مع الحفاظ على تراثها المعماري المميز بهدف المحافظة على تلك المساجد ذات القيمة التاريخية والمعمارية لتبقى أماكن للعبادة وشواهد حضارية تعكس تاريخ العمارة الإسلامية في المملكة، كما يسهم هذا المشروع في إبراز الهوية الوطنية، وتعزيز مكانة المساجد التاريخية بوصفها جزءا من الإرث الثقافي الذي تنسجم حمايته مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.
وكذا الأمر مع مدينة الحجر المعروفة (بمدائن صالح) التي تعد من أشهر المواقع الأثرية بالمملكة العربية السعودية والتي تم تسجيلها في قائمة اليونسكو UNESCO عام 1429هـ/ 2008م. كأول موقع سعودي تم إدراجه على قائمة التراث العالمي والذي اكتسب أهميته من موقعه الاستراتيجي على طريق التجارة القديم الذي ربط جنوب شبه الجزيرة العربية ببلاد الشام ومصر وبلاد الرافدين.
واليوم تُعد الحجر نموذجًا وطنيًا بارزًا في حماية التراث وتأهيله، حيث جرى تطوير الموقع وفق معايير عالمية للحفاظ على قيمته التاريخية والأثرية، مع إتاحته للزوار ضمن تجربة ثقافية وسياحية تعكس عراقة تاريخ المملكة وإرثها الحضاري.
تشمل هذه النماذج الناجحة أيضًا حي الطريف بمدينة الدرعية التاريخية والذي سجل في قائمة اليونسكوUNESCO أيضًا بتاريخ 1431هـ/ 2010م فهو أنموذج ممتاز لما يعرف بالعمارة الطينية النجدية. ويضم قصر سلوى ومسجد الإمام المؤسس محمد بن سعود.
أما الفنون الصخرية في منطقة حائل والتي تضم مواقع جبة والشويمس فقد تم تسجيلها عام 1436هـ/ 2015م. كذلك تم تسجيل واحة الإحساء في عام 1439هـ/ 2018م وتضم أكبر واحة نخيل محاطة بالرمال في العالم وتشمل عيونًا طبيعية وقلاعًا تاريخية مثل قصر إبراهيم وغيرها الكثير، وتستمر المملكة العربية السعودية في تسجيل وتوثيق وحماية وتأهيل المواقع التراثية فبعد تسجيل واحة الإحساء نجحت في تسجيل منطقة حمى الثقافية بنجران في قائمة التراث العالمي عام 1442هـ/2021م وتضم أكثر من 550 نقشًا صخريًا تعود إلى ما قبل التاريخ وحتى العصور التاريخية منها نقوش ثمودية ونبطية.
كذلك تم تسجيل محمية عروق بني معارض في عام 1444هـ/ 2023م، والمنظر الثقافي لمنطقة الفاو الأثرية عاصمة مملكة كندة في عام 1445هـ/ 2024م، وبالإضافة إلى كل هذه المواقع المسجلة تسعى المملكة إلى ضم عشرة مواقع جديدة وتسجيلها تراثًا إنسانيًا عالميًا، وقد نجحت بالفعل في وضع بعض المواقع فيما يعرف بالقائمة المؤقتة لليونسكو منها قرية ذي عين بمنطقة الباحة، وطرق الحج التاريخية مثل درب زبيدة من الكوفة إلى مكة المكرمة، وطريق الحج الشامي والمصري.
هذا النجاح المتواصل هو أحد نتائج تطبيق سياسات إدارة المواقع الأثرية وحمايتها حيث أصبحت المملكة بالفعل تنتج أقوى برامج إدارة المواقع الأثرية في العالم بالشراكة مع العديد من الجهات العلمية سواء الوطنية أو العالمية، ولعله يكفي هنا الإشارة إلى برنامج الإدارة والحماية المطبق في العلا ومواقعها الأثرية والتاريخية والتي يوليها وزير الثقافة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان آل سعود اهتمامًا خاصًا، كما تعد فرنسا من خلال الوكالة الفرنسية الشريك الرئيسي في رحلة التنمية لمحافظة العلا من خلال اتفاقية عام 1439هـ/ 2018م التي تم توقيعها بحضور كل من صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء-يحفظه الله-والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون Emmanuel - Jean- Michel وتهدف الاتفاقية إلى تحويل العلا إلى واجهة سياحية ومركز ثقافي عالمي، كما وأن من ثمار تطبيق إدارة المواقع الأثرية إنشاء مراكز الزوار المتخصصة في مواقع مثل الأخدود بنجران، وحصن فيد في حائل، وقرية ذي عين بالباحة، وذلك لتعزيز السياحة الثقافية وتعظيم الاستفادة من تلك المواقع الأثرية ونشر برامج التوعية والحماية. واستطاعت المملكة العربية السعودية تحقيق العديد من الاكتشافات الأثرية الكبرى التي اهتم بها العالم كالكشف عن معابد ونقوش تعبدية ومستوطنات بشرية تعود للعصر الحجري في منطقة الفاو، والكشف عن مناطق سكنية وصناعية وأدوات حجرية تعود لفترات تاريخية مختلفة في موقع العبلاء بعسير.
ونظرًا لثراء المملكة بالفنون والنقوش الصخرية أطلقت هيئة التراث مشروعًا لحصر وتحليل 2382 موقعًا للنقوش الصخرية في حائل وغيرها، وذلك بهدف توثيق النقوش الصخرية وحمايتها.
وفي جزر فرسان نجحت البعثة السعودية الفرنسية في العثور على العديد من الآثار الغارقة، علمًا أنها تمتلك الآن مركزًا متخصصًا للكشف عن الآثار الغارقة أو التراث المغمور.
وأخيرًا وليس آخرا نجحت المملكة العربية السعودية في إبراز نماذج وطنية ناجحة لتوثيق وحماية وتأهيل مواقعها التراثية وجعل تراثها الأثري رافدًا اقتصاديًا وثقافيًا من خلال استراتيجية متكاملة تجمع بين الحفظ العلمي للتراث بالتسجيل والتوثيق وحماية وترميم الآثار من جهة، ومن ناحية أخرى تحقيق التنمية المستدامة عن طريق تعظيم دور السياحة الثقافية وتمكين أصحاب الحرف اليدوية التراثية، وبالفعل قطعت شوطًا كبيرًا في تنفيذ استراتيجيتها والتي وضعتها -ولله الحمد- في مصاف الدول المهتمة بالحفاظ على التراث الأثري واعتباره ذخرًا أصيلاً من الهوية الوطنية التي يجب الحفاظ عليها.