بشاير الشريدة
في الملفات المالية الكبرى، لا تُقاس قيمة التوضيح بعدد الكلمات، بل بقدرته على حسم السؤال. وفي حالة النصر، يبدو أن كل توضيح جديد يضيف مساحة أخرى للجدل بدل أن ينهيه.
خلال الفترة الماضية، نشرت صحيفة «الرياضية» معلومات مفصلة، نقلًا عن مصدر مقرّب من صندوق الاستثمارات العامة PIF، تتحدث عن وضع مالي صعب في نادي النصر، وعن ديون تجاوزت 800 مليون ريال، وعن رقابة مالية مشددة، وتقييد لبعض الصلاحيات التنفيذية، والاستعانة بجهات استشارية مالية وتجارية وقانونية، إلى جانب إجراءات تستهدف ضبط المصروفات وزيادة الإيرادات وإعادة ترتيب الالتزامات.
هذه ليست معلومة عابرة يمكن تجاوزها بجملة عامة. حين يصل الملف إلى هذا المستوى من التدخل والتنظيم والمعالجة، يصبح من الطبيعي أن يسأل المتابع: ما حقيقة الوضع المالي للنادي؟ ثم جاء حديث عمر بترجي، المتحدث الرسمي لرابطة الدوري السعودي للمحترفين، عن سرية التفاصيل المالية للأندية، مؤكدًا أن الرابطة لا تستطيع الإفصاح عن تفاصيل أي نادٍ بالنيابة عنه، وأن النادي نفسه يحق له الإفصاح، إلى جانب الحديث عن تقديم النصر مستندات لإعادة جدولة التزاماته مع ضمانات تسمح له باستكمال تعاقداته.
وهنا تحديدًا تتسع مساحة السؤال. لأن الحديث عن «إعادة جدولة التزامات» لا يلغي وجود الالتزامات، والحديث عن «ضمانات» يعني أن المعالجة احتاجت إلى ما يثبت القدرة على الوفاء بها، كما أن الحديث عن اجتياز متطلبات الرقابة المالية يؤكد أن هناك متطلبات كان لابد من استيفائها أصلًا. وهذا لا يدين النصر، ولا يجعل وجود الالتزامات المالية استثناءً؛ فالأندية الكبرى حول العالم تعمل بعقود طويلة الأجل والتزامات ضخمة، وبعضها يحمل مديونيات أكبر بكثير.
المسألة هنا مختلفة تمامًا. المسألة في وضوح الرواية. إذا كان رقم 800 مليون غير صحيح، فمن حق النادي أن يقول ذلك صراحة، خصوصًا أن الرابطة أوضحت أن النادي نفسه يملك حق الإفصاح عن معلوماته. وإذا كان صحيحًا لكنه يشمل التزامات مستقبلية، فهذه أيضًا معلومة جوهرية تستحق التوضيح، لأن الفرق كبير بين دين مستحق فورًا وبين التزامات تعاقدية موزعة على سنوات. وإذا كانت المشكلة في وصف الوضع بـ«الأزمة»، فيمكن توضيح أن الإجراءات كانت احترازية أو تنظيمية وليست نتيجة تعثر مالي.
لكن ترك كل الاحتمالات قائمة ثم الاكتفاء بالقول إن المعلومات «حساسة» لا يحسم النقاش، خصوصًا بعدما اتضح أن حساسية المعلومات تقيد إفصاح الرابطة، لكنها لا تمنع النادي نفسه من توضيح ما يخصه. بل على العكس، يترك الجمهور أمام روايات متعددة: تقرير يتحدث عن أزمة وديون، مصدر يتحدث عن إجراءات عاجلة، تصريحات تتحدث عن جدولة وضمانات، ثم أصوات أخرى تقول إن أصل الحديث عن الأزمة مبالغ فيه أو غير صحيح.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا جدًا: أي جزء تحديدًا غير صحيح؟ فالشفافية لا تعني نشر تفاصيل الحسابات ولا كشف عقود اللاعبين ولا الإفصاح عن أسرار تجارية. وهذه ليست مطالبة معقولة أصلًا.
لكن الشفافية تعني أن تكون هناك إجابة واضحة على الحد الأدنى من الأسئلة التي أصبحت بالفعل جزءًا من النقاش العام: هل تجاوزت التزامات النصر 800 مليون ريال؟ هل خضع النادي لرقابة مالية مشددة بسبب وضعه المالي؟ هل قُيدت بعض صلاحيات الإدارة؟ هل كانت القدرة على التعاقد مرتبطة بتوفير سيولة وضمانات؟ وما طبيعة «إعادة الجدولة» التي تم الحديث عنها؟ هذه الأسئلة لا تبحث عن أسرار، بل عن تعريف واضح لما حدث.
وأعتقد أن حماية سمعة النادي لا تتحقق بإبقاء الصورة ضبابية، بل العكس تمامًا. الوضوح يخدم النصر قبل منتقديه؛ لأن غياب المعلومة الرسمية هو البيئة المثالية للمبالغات والتأويلات.من غير المنصف أن يُترك المشجع يدافع عن رواية لا يعرف تفاصيلها، ومن غير المهني أن يُطلب من الإعلام تجاهل معلومة منشورة بهذا الحجم لمجرد أن تفاصيلها الكاملة غير متاحة.
والمشكلة الأكبر أن المشهد اليوم يبدو وكأن كل طرف يملك جزءًا من القصة، ولا أحد يملك القصة كاملة. مصدر يتحدث عن 800 مليون. الرابطة تتحدث عن جدولة وضمانات، وتقول في الوقت نفسه إنها لا تستطيع الإفصاح عن التفاصيل بالنيابة عن النادي. الإعلام يتحدث عن رقابة مشددة. وفي المقابل هناك من يصر على أن الصورة المتداولة غير صحيحة.
حسنًا، إذا كانت الصورة غير صحيحة، فالأمر بسيط: صححوها. لا يحتاج الملف إلى سجال جديد، ولا إلى تسريب جديد، ولا إلى صياغات تحتمل أكثر من معنى. يحتاج فقط إلى إجابة رسمية واضحة، لأن الرقم كبير، والإجراءات المعلنة ليست بسيطة، والنصر نادٍ مملوك في غالبيته لجهة استثمارية حكومية كبرى ويشارك في دوري يسعى لأن يكون من أبرز الدوريات عالميًا.وفي مشروع رياضي بهذا الحجم، لا تكفي قوة الإنفاق وحدها. وضوح الحوكمة المالية جزء من قوة المشروع نفسه. لذلك فالسؤال الموجه إلى عمر بترجي ورابطة الدوري ليس: لماذا لا تكشفون الأسرار المالية للنصر؟ فالرابطة أوضحت موقفها: لا تستطيع الإفصاح عن تفاصيل النادي بالنيابة عنه.
لكن هذا التوضيح ينقل السؤال مباشرة إلى نادي النصر نفسه، ما دام يملك حق الإفصاح: ما الذي تنفونه تحديدًا؟ هل تنفون الرقم؟ أم الأزمة؟ أم الرقابة؟ أم تقييد الصلاحيات؟ أم الحاجة إلى إعادة الجدولة والضمانات؟ لأن كل هذه التفاصيل نُشرت، وبعضها أُكد ضمنيًا في تصريحات رسمية لاحقة. وإذا كانت الصورة المتداولة لا تعكس حقيقة الوضع، فالنادي هو الأقدر على تصحيحها، بدل أن يبقى جمهوره وإعلامه في مواجهة روايات متعددة دون مرجعية رسمية واضحة. وحتى تصدر إجابة واضحة، سيبقى الخلاف قائمًا، ليس لأن الجمهور يبحث عن الإثارة، بل لأن المشهد نفسه لم يقدم رواية واحدة متماسكة يمكن الاعتماد عليها. وفي الملفات المالية تحديدًا، الغموض لا يحمي المعلومة دائمًا.
أحيانًا، الغموض هو الذي يصنع القضية.