ثامر بن سعران السبيعي
في يناير من هذا العام كانت ستٌّ وعشرون سفينة حاويات تعبر قناة السويس، بينما دارت مئةٌ وخمس وسبعون حول رأس الرجاء الصالح. والمعتاد قبل الأزمة نحو ثمانين عبوراً أسبوعياً عبر القناة وحدها.
الطريق حول إفريقيا أطول بسبعة إلى أربعة عشر يوماً، ويستهلك وقوداً أكثر، ويبتلع نحو مليونين ونصف المليون حاوية نمطية من الطاقة العالمية للأسطول. ومع ذلك هو المختار.
هذه واقعة تحتاج تفسيراً لا وصفاً. فالسوق ليست جهة سياسية تُعبّر عن موقف؛ هي آلاف القرارات التجارية المستقلة التي تُتخذ يومياً على أساس الربح والخسارة. وحين تختار جماعياً الطريق الأطول والأغلى، فهي لا تُخطئ الحساب - بل تحسب شيئاً لا نراه في الفاتورة.
ولنفهم ما اشترته، لابد أولاً من فهم ما تدفعه. فما يُعلَن في السوق باسم «سعر الشحن» ليس الكلفة، بل طبقتها الأولى فقط: سعرٌ يغطي حركةً من ميناء إلى ميناء. ويترك خارجه النقل من المنشأ، ورسوم المحطة، والجمارك، والنقل البري القصير، والتخزين، وغرامات تجاوز المدة المجانية، والتسليم النهائي. وفوقه تأتي رسوم الظرف: أضافت تحويلات البحر الأحمر ما بين خمسمئة وألف وخمسمئة دولار للحاوية، ويضيف نظام الاتجار بالانبعاثات الأوروبي خمسين إلى مئة وخمسين دولاراً أخرى.
ثم تأتي طبقتان لا تظهران في أي فاتورة: الزمن، وهو رأس مال محتجز ومخزون احتياطي مطلوب؛ والموثوقية، إذ أُلغيت في أسبوع واحد إحدى وثلاثون رحلة على خطوط المحيط الهادئ وثماني رحلات على آسيا- أوروبا، والرحلة الملغاة تعني بضاعة تبقى على الرصيف.
هذه هي الكلفة الكاملة للحاوية. وهي وحدة القياس الوحيدة التي يقارن بها السوق فعلاً.
وحين ننتقل من الكلفة إلى المقارنة، نصطدم برقم يقلب الطاولة. فمؤشر أسعار الشحن العالمي بلغ ألفين ومئة وسبعة دولارات للحاوية أربعين قدماً في أواخر يناير، ثم أربعة آلاف وستمئة وتسعة وثلاثين في يوليو، واستقر عند أربعة آلاف وثلاثمئة وتسعة وثلاثين في منتصف أغسطس. أي أن نطاق تحرّكه في ستة أشهر بلغ ألفين وخمسمئة واثنين وثلاثين دولاراً.
والمقارنة الشائعة بين الممرات البرية تدور حول فارق أصغر من ذلك بكثير: الحاوية عبر الممر الأوسط بين ألفين وخمسمئة وأربعة آلاف وخمسمئة دولار بحسب المصدر - وهو خلاف بين البنك الدولي وتقديرات السوق يستحق الفحص بذاته - وعبر الطريق الشمالي البري بين ألفين وثمانمئة وثلاثة آلاف ومئتين.
فالفارق بين الممرات يقع داخل نطاق تحرّك السعر البحري نفسه، لا خارجه. ومن يقارن ممرّين بمستوى السعر وحده يقارن رقماً ثابتاً برقم متحرك. ولهذا فإن ميزة الممر البري ليست بالضرورة أنه أرخص - فهو ليس كذلك في أكثر التقديرات - بل أن سعره أهدأ. والشاحن الصناعي الذي يخطط لسنة كاملة قد يفضّل سعراً أعلى مستقراً على سعرٍ أدنى متقلب، لأن التقلب نفسه كلفة تُموَّل بالمخزون.
نعود الآن إلى سؤالنا الأول: ماذا اشترى الناقلون حين اختاروا الطريق الأطول؟
لم يشتروا زمناً - بل دفعوه. أنفقوا أسبوعين إضافيين ووقوداً وطاقة أسطول، ودفعوا معها مالاً. ومن يدفع الزمن والمال معاً فقد اشترى ما هو أثمن منهما.
اشتروا تجنّب اللا يقين. وهنا تمييزٌ تقني يستحق أن يدخل قاموسنا: المخاطرة احتمالٌ معلوم بتوزيع معلوم، فتُسعَّر وتُؤمَّن؛ واللايقين حدثٌ لا يُعرف احتماله أصلاً، فلا يُسعَّر ويُتجنَّب. والانتقال بين الحالين ليس تدرّجاً في السعر بل قفزةً في السلوك.
ولهذا لم تُحلّ المسألة برفع قسط التأمين. فالتأمين يعوّض ولا يمنع؛ لا يشتري سلامة طاقم، ولا يختصر زمن احتجاز سفينة، ولا يعيد ثقة عميل انقطعت خدمته. ولو كانت المسألة قسطاً لحسمتها السوق في أسبوع. وحين يُهجَر طريقٌ بهذه النسبة فهو لم يعد يُسعَّر أصلاً - خرج من فئة ما يُحسب إلى فئة ما يُتجنَّب.
وثمة اعتراض معتاد على كل ممر بري: أنه مليء بنقاط التسليم. فالممر الأوسط يمرّ ببحر قزوين ثم أذربيجان ثم جورجيا ثم تركيا - أربع نقاط انتقال بين وسائط النقل، مقابل ثلاث نقاط اختناق في طريق السويس: ملقا وباب المندب والقناة.
والعدّ صحيح، والاستنتاج خاطئ. لأن الوحدتين ليستا من جنس واحد.
نقطة التسليم تُبطئ التدفق، ونقطة الاختناق تستطيع أن توقفه. الأولى احتكاك: ساعات وأوراق واحتمال ضرر، يتكرر في كل شحنة، ولها بديل داخل الممر - عبّارة تالية أو تحويل إلى السكة. والثانية صمّام: صفرٌ في معظم الأيام، ثم انقطاع كامل لا بديل عنه إلا بترك الممر بأسره.
وأخطر ما بينهما فرق المالك. فنقطة التسليم يديرها مشغّل تقني حافزه أن يمرّ أكبر قدر ممكن لأن دخله من المرور. ونقطة الاختناق تديرها سيادة، وقد يكون حافزها التحكم لا التدفق. والفرق بين الحالين هو الفرق بين رسمٍ يمكن التنبؤ به وإذنٍ يمكن حجبه.
ومن هنا قاعدة لا يستقيم بدونها أي تقييم: لا يُعدّ الاختناق عدّاً، بل يُوزن بمالكه. فثلاث نقاط اختناق تحت ثلاث سيادات مختلفة أقل خطراً من نقطتين تحت سيادة واحدة - لأن الأولى تحتاج تواطؤ ثلاثة، والثانية تحتاج قراراً واحداً.
وتطبيق هذه القاعدة يقلب ترتيبات كثيرة. فالممر الشمالي القطبي، الذي يُقدَّم اختصاراً للمسافة، نقاطه قليلة لكنها كلها تحت سيادة واحدة. فبالعدّ يبدو أفضل من السويس، وبالوزن يصبح أسوأ من الجميع.
على أن للجغرافيا كلمةً أخيرة لا تملكها السياسة. فبحر قزوين، وهو قلب الممر الأوسط، ينحسر منذ عام 2020 بما يصل إلى ثلاثين سنتيمتراً سنوياً؛ ونحو 80 في المئة من وارداته المائية تأتي من نهر الفولغا الذي تسدّه روسيا وتنظّمه. وقد خفّض ذلك نقل عربات الصهاريج بالعبّارات بنسبة 22 في المئة على خط باكو-كوريك.
فالممر الذي بُني للإفلات من موسكو يعتمد على بحرٍ تتحكم موسكو في مصدر مائه. وهذه مفارقة لا تحتاج تفسيراً سياسياً؛ الجغرافيا وحدها كافية.
ماذا يعني هذا كله لممراتنا نحن؟
يعني أن اللغة التي نتحدث بها عن ممراتنا ليست اللغة التي يُقارَن بها في السوق. فنحن نُعلن الأطوال والميزانيات وتواريخ الافتتاح، والشاحن يسأل أربعة أسئلة فقط: كم يوماً، وكم دولاراً، وكم مرة تأخّر، وكم نقطة تسليم فيه. ومن لا يُعلن سعر حاويته لا يُصنَّف أسوأ - بل لا يدخل المقارنة أصلاً، لأنه غير قابل للحساب.
والمقترح عملي وكلفته يسيرة. أن يُعلَن سعر الحاوية لكل ممر إقليمي قائم أو قيد الإنشاء، إلى جانب الطول والاستثمار. وأن تُنشَر نسبة الالتزام بالجدول شهرياً - وهي بيانات منشورة عالمياً للخطوط البحرية وغائبة عن الممرات البرية، وسدّ هذه الفجوة قرارٌ إداري لا استثمار. وأن يُعامَل عدد نقاط التسليم كلفةً تشغيلية معلنة لا إنجازاً سياسياً. وأن يُفحص أي ممر بمعيار تركّز السيادة قبل ربط اقتصاد وطني به، فالتحرر من ممرٍّ بالدخول في آخر أحادي المالك ليس تحرراً.
والمملكة، بموقعها بين البحرين وبخبرتها المتراكمة في إدارة الممرات والموانئ، هي الطرف الأقدر على أن تبدأ بالإعلان فتصنع المعيار بدل أن تُقاس به. فمن يبني العدّاد يحدد ما يُعدّ.
وأصل المسألة في جملة واحدة: ما لا يُقاس عندنا لم يُقَس لأن أحداً لم يبنِ العدّاد - لا لأنه غير قابل للقياس.
** **
- دبلوماسي سعودي سابق