عبدالله بن عبيد الشهراني
في «الأوديسة»، الملحمة الإغريقية المنسوبة إلى هوميروس، واجه أوديسيوس خطرًا لا يشبه السيوف ولا العواصف؛ إنها «السيرينات»، كائنات لا تجرّ البحارة بالقوة، بل تستدرجهم بأصوات فاتنة، حتى يغيّروا مسار سفنهم بأنفسهم ويمضوا نحو الهلاك وهم يحسبون أنهم يقتربون مما يشتهون.
والتفصيلة الأعمق في الحكاية أن أوديسيوس لم يراهن على قوة إرادته لحظة الإغراء؛ بل احتاط لنفسه قبل وصول الصوت. أمر رجاله أن يسدّوا آذانهم بالشمع، وأن يوثقوه إلى صاري السفينة، وألا يفكّوا قيده مهما توسّل إليهم. لقد أدرك أن الإنسان قد يعرف وجهته، ثم يفقدها عندما يُخاطَب من الباب الذي يعرف ما يشتهي.
تصلح هذه الصورة القديمة لفهم جانب من حياة الإنسان المعاصر. فحين تتغوّل الفردانية والنفعية والاستهلاكية، لا يعود الإنسان يعمل ليعيش، بل يعيش ليستهلك. الفردانية تجعله مركزًا لذاته، والنفعية تقيس الأشياء بما تمنحه من مكاسب، ثم تأتي الاستهلاكية لتقدّم له مقياسًا جاهزًا للنجاح: ما تملك، وما ترتدي، وأين تسكن، وكيف يراك الآخرون.
وكلما اتسعت رغبات الإنسان اتسعت حاجته إلى المال؛ فينجذب شيئًا فشيئًا إلى المنظمات التي تعده براتب أعلى، ومسمّى أكبر، ومكانة أرفع، ونمط حياة تعلّم أن يشتهيه. ولا تعود الوظيفة مجرد وسيلة كريمة للعمل والعطاء، بل تتحول تدريجيًا إلى المموّل الرئيس لصورة اجتماعية يخشى صاحبها أن تتصدع.
ويشيع اختزال منطق التسويق الحديث في عبارة «خلق الحاجة وإشباعها»، المنسوبة إلى فيليب كوتلر، عرّاب التسويق الحديث. فالتسويق لا يكتفي بتلبية الرغبات القائمة، بل يسهم في صياغتها وتوجيهها نحو منتج بعينه، حتى يغدو امتلاكه ضرورة تُبنى تدريجيًا في مخايلنا، بعد أن كان خيارًا إضافيًا. وقد عبّر الاقتصادي جون كينيث غالبرايث عن هذه الحلقة بـ«أثر التبعية»؛ إذ يسهم الإنتاج في توليد الرغبات التي يزعم أنه جاء لإشباعها، حتى يغدو الإنتاج غايةً للإنتاج، والاستهلاك غايةً للاستهلاك، ويدور الإنسان بينهما في حلقة لا تعرف الاكتفاء.
الهاتف الذكي مثال قريب؛ فقد عاش الناس وأنجزوا أعمالهم قبله، ثم أسهم التحالف بين التقنية والتسويق، إلى جانب التحول الرقمي، في نقله من أداة إضافية إلى حاجة يصعب تصوّر الحياة من دونها. ولم يعد الأمر مجرد رغبة يصنعها السوق؛ إذ أصبحت بعض الخدمات العامة لا تُنجز إلا عبر تطبيق محدد، أو بمسح رمز الاستجابة السريعة (QR) لتعبئة نموذج أو إتمام إجراء، وكأن امتلاك هاتف ذكي بات افتراضًا مؤسسيًا ينطبق على الجميع. وهكذا انتقلت الحاجة من إقناع تسويقي إلى ضرورة عملية رسّختها المؤسسات؛ فأسهمت، ربما من حيث لا تقصد، في إعادة تعريف ما يعدّه الإنسان ضروريًا لحياته.
وفي قلب الحداثة السوقية المعاصرة تيار مادي تنافسي مؤثر، ينظر إلى الحياة بوصفها ساحة سباق تحكمها نزعة الاستحواذ والسيطرة؛ فالشركة التي تستحوذ على حصة أكبر من السوق تُعدّ أكثر نجاحًا. ولتحقيق ذلك لا يكفي إشباع الحاجات القائمة، بل تتنافس الشركات على توليد الرغبات وصياغتها في وعي الإنسان وفي بنية المنظومة التي يعيش داخلها، كما تربط التجدد المستمر للمنتجات بفكرة التقدم، حتى يصبح «الأحدث» مرادفًا لـ«الأفضل»، ولو لم تتغير حاجة الإنسان الحقيقية. وهكذا نجح النموذج المادي المهيمن في تصدير تصور للنجاح يجعل الأكثر امتلاكًا أكثر سعادة، والأعلى دخلًا أكثر قيمة؛ فتتغذى دوائر لا تنتهي من المنافسة والاستحواذ، ويُختزل الإنسان إلى مستهلك في السوق، ومورد داخل المنظمة، ومشروع دائم لزيادة الإنتاج والشراء معًا.
غير أن جانبًا كبيرًا من الاستهلاك لا تفسره المنفعة وحدها، بل ما تقوله السلعة عن صاحبها. فمنذ أن وصف ثورستاين فيبلن «الاستهلاك التفاخري»، أصبح مفهومًا أن بعض ما نشتريه لا يُشترى ليُستخدم فقط، بل ليُرى أيضًا. فالبيت الأكبر، والسيارة الأحدث، والعلامة الأغلى قد تتحول من أشياء نملكها إلى لغة نطلب بها الاعتراف والمكانة. والمشكلة أن هذه اللغة لا تعرف نقطة اكتفاء؛ لأن المقارنة تتحرك كلما تحركنا، وما كان بالأمس علامة تميّز يصبح اليوم أمرًا عاديًا.
هنا تمتد سلطة السوق إلى الحياة الوظيفية؛ فالبيت الأكبر يستلزم دخلًا أعلى، والسيارة الأحدث تفرض التزامًا أطول، والصورة الاجتماعية المصنوعة تتطلب إنفاقًا لا ينقطع. ومع تراكم الأقساط والالتزامات، يجد الموظف نفسه مكبّلًا بـ«أصفاد ذهبية»؛ فلا يبقى في عمله لأنه يشبهه أو يمنحه معنى، بل لأن كلفة مغادرته أصبحت باهظة. وقد يظن أنه يختار بإرادته فرصة أفضل كلما لاح له عرض أعلى، بينما تكون التزاماته الاستهلاكية قد اتخذت القرار نيابةً عنه.
وبمرور الوقت يضيق هامش الاختيار رغم اتساع الراتب؛ إذ يتحول السؤال من: ماذا أريد أن أقدّم؟ إلى: كم أحتاج كي أحافظ على الصورة التي اعتادها الآخرون عني؟ وهنا تظهر مفارقة الحرية الاستهلاكية: تمنح الإنسان خيارات أوسع داخل السوق، لكنها قد تسلبه قدرته على اختيار حياته خارجه.
والمفارقة أن «الأوديسة» نفسها عادت إلى الشاشة في فيلم ملحمي أخرجه كريستوفر نولان، وأدى فيه مات ديمون شخصية أوديسيوس، وصُوّر كاملًا بكاميرات IMAX، التي تتيح في الصالات المهيأة لها إطارًا أوسع ارتفاعًا وأقرب إلى المربّع من الشاشة السينمائية المستطيلة المعتادة. ويمكن قراءة هذا الخيار بوصفه تطويرًا فنيًا لتجربة المشاهدة، لكنه يحمل وجهًا اقتصاديًا كذلك؛ فحين أصبحت منصات البث المنزلي منافسًا قويًا لصالات السينما، لم يعد كافيًا أن تعرض الصالة الفيلم نفسه، بل أصبح عليها أن تقدم تجربة بصرية يصعب استنساخها على شاشة المنزل. وهكذا تتحول الشاشة العملاقة إلى أداة تنافسية في معركة السوق على انتباه المشاهد ووقته وماله.
هذه ليست إدانة للتقنية، ولا لصالات السينما، ولا للتسويق، ولا دعوة إلى ترك العمل أو تمجيد الفقر؛ فالمال نعمة، وتحسين مستوى العيش مقصد مشروع، والعمل أوسع من أن يُختزل في وظيفة. المشكلة تبدأ حين تتحول الوسائل إلى غايات: حين يصبح التقدم غرضًا في ذاته، وتتحول الوظيفة من وسيلة للعيش والعطاء إلى غاية تستهلك الوقت والهوية، ويصبح الراتب التعريف الوحيد لقيمة الإنسان.
ولعل درس أوديسيوس أدق مما يبدو؛ فالحماية من الإغراء لم تبدأ بعد سماع الصوت، بل بقرار اتُّخذ قبله. وفي حياتنا يمكن أن يتخذ «الصاري» صورًا بسيطة: سقف للإنفاق لا يرتفع تلقائيًا مع الدخل، وادخار يسبق الاستهلاك ولا ينتظر ما يتبقى منه، ومسافة واعية بين الحاجة والرغبة، ورفض أن تُترجم كل زيادة في الراتب إلى زيادة موازية في الالتزامات.
وقد يكون «الصاري» رقميًا أيضًا؛ بألا نستسلم لإغراء المنتجات والسفر وتجارب الرفاه التي يعرضها مؤثرون يبدون أشخاصًا مثلنا. فالتشابه هو ما يمنح المقارنة قوتها، ويزداد أثره حين تصل الرسالة في هيئة تجربة شخصية لا إعلانًا صريحًا؛ فتنتقل الثقة من جهة تجارية نعرف مصلحتها، إلى شخص نظنه مجرد ناقل لتجربته. وهنا قد يكمن الوهم: فما يُعرض أمامنا أحيانًا ليس ما صادفه المؤثر في حياته، بل ما تعاقد على تقديمه؛ فنحن لا نرى تجربة عفوية، بل إعلانًا نُزعت عنه لافتته.
ثم يهمس إلينا صوت المقارنة: إنهم ليسوا أفضل منا؛ فلماذا لا نحاكيهم، أو نتفوق عليهم، أو نثبت للمجتمع أننا لسنا أقل منهم؟ عندها لا نستهلك لأننا نحتاج، بل لأننا نخشى أن نبدو أقل في سباق لم نختر دخوله.
ومع ذلك، لا ينبغي أن تُلقى مسؤولية المقاومة على الفرد وحده؛ فالمؤسسات مسؤولة عن ألا تجعل التقنية بابًا لاستبعاد من لا يملكها أو لا يحسن استخدامها، كما تتحمل المنصات والمؤثرون مسؤولية الفصل الواضح بين التجربة الشخصية والإعلان المدفوع. فليس من العدل أن تُصنع المغريات بمنظومة كاملة، ثم يُطالَب الفرد وحده بأن يقاومها.
إن مقاومة الاستهلاكية والفردانية والنفعية ليست دعوة إلى الانسحاب من الحياة، بل إلى استعادة معناها، ووضع المال والمنظمة والسوق في حجمها الطبيعي داخلها؛ فالكفاية تخدم الإنسان، أما اللهاث فيبتلعه. وأخطر السيرينات ليست التي تُكرهك على الاقتراب منها، بل التي تعرف ما تشتهي، ثم تجعلك تبحر إلى قيودك مختارًا.
** **
- باحث في السلوك التنظيمي