د. عبدالمحسن الرحيمي
هل ندرك ماذا يعني أن تستضيف السعودية إكسبو 2030 وكأس العالم 2034؟ لا تكمن أهمية السؤال في ضخامة الحدثين وحدها، فالمملكة لم تنتظر هذين الموعدين حتى تفتح أبوابها للعالم، وإنما قطعت خلال السنوات الماضية مسافة واسعة في بناء حضور دولي امتد من السياحة والثقافة إلى الرياضة والترفيه والاستثمار، فأصبح العالم يتعامل مع السعودية بوصفها مكانًا يمكن زيارته واكتشافه، لا مجرد دولة تُعرف من خلال الأخبار والصور.
وقد تجاوز عدد السياح المحليين والوافدين في المملكة 115 مليونًا خلال عام 2024، وهو رقم يعكس اتساع حركة الناس إلى المملكة وتزايد فرص الاحتكاك المباشر بها. فكل زائر يصل إلى السعودية لا يكتفي بصورة عامة عنها، وإنما يكوّن انطباعه من المدينة التي يراها، والخدمات التي يستخدمها، والأشخاص الذين يلتقيهم، والثقافة التي يقترب منها.
وفي الرياض، أسهم موسم الرياض في توسيع هذا الحضور، إذ تجاوز عدد زواره عشرين مليونًا، واستقطب أسماء وفعاليات عالمية في الملاكمة والمصارعة والتنس والفنون والموسيقى والترفيه. ولم يبق أثر الموسم داخل المملكة؛ ففي الملاكمة حمل اسمه إلى الجمهور الدولي من خلال إقامة فعالية في لوس أنجلوس، كما شهدت نيويورك الإعلان عن تعاون مع رابطة الملاكمة العالمية. وأصبحت هذه الفعاليات جزءًا من حضور سعودي يتجاوز استضافة الحدث إلى المشاركة في صناعة المشهد العالمي نفسه.
وامتد المسار إلى مجالات أخرى؛ فالرياضات الإلكترونية جعلت الرياض مركزًا لبطولة عالمية ذات جمهور رقمي واسع، وحلبة جدة وضعت المملكة على روزنامة سباقات الفورمولا واحد، بينما فتح الاستثمار في نادي نيوكاسل يونايتد نافذة سعودية داخل كرة القدم الإنجليزية. ومع انتقال كريستيانو رونالدو إلى الدوري السعودي، أصبحت المملكة أكثر حضورًا في المحتوى الذي يتابعه جمهور رياضي عالمي، خصوصًا أن رونالدو تجاوز في عام 2024 حاجز المليار متابع عبر منصات التواصل الاجتماعي مجتمعة. ولا يعني ذلك أن هذا الجمهور أصبح جمهورًا للسعودية، لكنه يوضح اتساع الدوائر التي أصبحت المملكة حاضرة داخلها.
وفي اتجاه آخر، أصبحت أرامكو شريكًا عالميًا رئيسيًا للاتحاد الدولي لكرة القدم في قطاع الطاقة حتى نهاية عام 2027، في شراكة تشمل بطولات دولية من بينها كأس العالم 2026 وكأس العالم للسيدات 2027. وهي شراكة لا تمثل رعاية معلنة لكأس العالم 2034، لكنها تقدم مثالًا آخر على دخول مؤسسات سعودية كبرى إلى منصات ذات انتشار عالمي.
وعند النظر إلى هذه التحولات مجتمعة، تظهر صورة تتجاوز الفعاليات المنفردة. السعودية أصبحت حاضرة في مسارات متعددة؛ بعضها يجذب العالم إليها، وبعضها ينقل حضورها إلى الخارج، وبعضها يربط بين المسارين عبر الرياضة والثقافة والأشخاص والمؤسسات والمنصات العالمية. ولذلك لا يأتي إكسبو 2030 وكأس العالم 2034 كبداية للحضور السعودي، وإنما كمرحلة جديدة يرتفع فيها هذا الحضور إلى كثافة أكبر ونطاق أوسع.
إكسبو 2030 يحمل طبيعة مختلفة؛ فهو يجمع دولًا ومنظمات وأفكارًا وثقافات وتجارب في الرياض على مدى ستة أشهر، مع مشاركة 197 دولة و29 منظمة دولية وتوقع أكثر من 42 مليون زيارة. ومن ثم فإن أهميته لا تنحصر في عرض الابتكار والمشروعات، وإنما تمتد إلى مساحة واسعة تلتقي فيها المجتمعات وتتبادل الخبرات والثقافات، بما يجعل المدينة نفسها جزءًا من التجربة.
أما كأس العالم 2034، الذي اختار فيه كونغرس الفيفا المملكة العربية السعودية لاستضافة البطولة في ديسمبر 2024، فسيكون أول نسخة تستضيفها دولة واحدة بمشاركة 48 منتخبًا، وهو ما يعني حضور جماهير وثقافات متعددة داخل المدن السعودية خلال فترة زمنية مكثفة.
هنا تحديدًا تتغير طبيعة العلاقة بين السعودية والعالم. فالسياحة والرياضة والفعاليات والشراكات الدولية صنعت خلال السنوات الماضية قنوات متعددة للحضور، بينما يمنح إكسبو وكأس العالم فرصة لأن تجتمع هذه القنوات في تجربة مباشرة يعيش فيها الزائر المكان، وليس الحدث وحده.
فالزائر الذي يأتي إلى إكسبو لن يبقى داخل موقع المعرض، والمشجع الذي يصل إلى كأس العالم لن يعيش طوال رحلته داخل الملعب؛ كلاهما سيتعامل مع المدينة، ويستخدم وسائل النقل، ويزور المطاعم والأسواق والمتاحف والمواقع الثقافية، ويلتقي بأشخاص من المجتمع، وقد يكتشف جوانب من السعودية لم تكن حاضرة في تصوره قبل الوصول. وفي المقابل، سيعيش السعوديون أنفسهم تجربة لقاء مجتمعات وثقافات جاءت من أنحاء العالم.
وهنا تصبح الهوية الوطنية أكثر من رسالة يمكن صياغتها مسبقًا. فالدولة تستطيع أن تحدد ما تريد إبرازه عن نفسها، لكنها لا تستطيع أن تكتب للزائر انطباعه النهائي. الضيافة سيحكم عليها من خلال الموقف الذي يعيشه، والحداثة من خلال ما يراه في المدينة والخدمات، والثقافة من خلال ما يلمسه في الطعام والفنون والمواقع التاريخية، والانفتاح من خلال طبيعة التفاعل الذي يختبره.
السعودية لا تحتاج في هذه المرحلة إلى اختراع صورة مصطنعة كي تقدم نفسها للعالم؛ فالتحول أصبح واقعًا يمكن مشاهدته في مدن تتغير، ومجتمع شاب أكثر اتصالًا بالعالم، واقتصاد يتوسع في مجالات جديدة، وثقافة تستعيد حضورها، وتكنولوجيا تدخل تفاصيل الحياة، إلى جانب تاريخ طويل وتراث متنوع وبيئات تمتد من الصحراء إلى البحر. وتكمن قوة هذه الصورة في اجتماع عناصرها، وفي قدرة المملكة على تقديم المستقبل باعتباره امتدادًا لهويتها لا قطيعة معها.
ولهذا فإن الثقل الحقيقي لإكسبو وكأس العالم لا يرتبط فقط بعدد الزوار أو حجم المشاهدة، وإنما بحجم التبادل الثقافي والاجتماعي الذي يمكن أن ينشأ خلال فترة محدودة بين أعداد كبيرة من البشر. سيأتي العالم إلى السعودية، وستتاح للسعوديين في المقابل فرصة أوسع للتعرف إلى العالم من خلال اللقاء المباشر، فتتحول الاستضافة من عملية استقبال إلى مساحة متبادلة للتعارف والتفاعل.
وهذا التفاعل قد يكون أحد أكثر عناصر الهوية أهمية في المرحلة المقبلة؛ فالهوية لا تحتاج إلى العزلة كي تحافظ على جوهرها، وإنما تحتاج إلى قدرة واعية على الانفتاح والتفاعل مع الآخرين من دون أن تفقد تعريفها لذاتها. وفي هذا السياق، تصبح السعودية أمام فرصة لأن تعرض تاريخها وثقافتها وطموحها كما تعيشها هي، لا كما تصاغ في صورة واحدة مخصصة للآخرين.
لذلك فإن السؤال الأهم في السنوات القادمة لن يكون فقط: كيف ستقدم السعودية نفسها للعالم؟ بل ماذا سيكتشف العالم عن السعودية عندما يعيشها؟
قد يأتي الزائر إلى المملكة من أجل إكسبو أو مباراة، ثم يغادر وفي ذاكرته مدينة أو تجربة ثقافية أو موقع تاريخي أو لقاء إنساني لم يكن جزءًا من سبب زيارته الأصلي. ومع تكرار هذه التجارب لدى أعداد كبيرة من الناس، تتشكل صورة عن المملكة لا تصنعها مؤسسة واحدة ولا حملة واحدة، وإنما تصنعها الخبرة المباشرة وتراكم الذكريات.
عندها تتجاوز العلامة السعودية حدود الشعار والصورة والحملة، لتصبح ما يبقى لدى الإنسان بعد مغادرته المكان؛ صورة لم تُفرض عليه، وإنما تكونت لديه من خلال ما رأى وعاش وتفاعل معه.
إكسبو 2030 وكأس العالم 2034 لا يفتحان السعودية على العالم للمرة الأولى؛ فقد بدأ هذا الانفتاح بالفعل، وبدأت المملكة في الوقت نفسه ببناء حضورها خارج حدودها. لكن الحدثين يمنحان هذا المسار كثافة استثنائية، لأنهما يجمعان في فترة محدودة أعدادًا كبيرة من البشر والثقافات داخل المكان السعودي نفسه.
وعندما تصبح السعودية تجربة للعالم، فإن أقوى علامة يمكن أن تتركها ليست الصورة التي تقولها عن نفسها، وإنما القصة التي سيعود بها الآخرون عنها.