نجلاء العتيبي
«حين تبدأ الخيانةُ بخطوةٍ لا يلتفت إليها أحدٌ».
لا تبدأ الخيانة الوظيفية باختلاس كبير، ولا بصفقة مشبوهة، ولا بتزوير يملأ الصفحات، بدايتها أدقُّ من ذلك بكثير؛ دقيقة حضور مُزيَّفة، عذر مُختلَق، توقيع لا يُستحَقُّ، معاملة تُؤجَّل بلا سبب، وقت يؤخذ أجره كاملًا دون أن يقابله عمل كامل؛ تلك التفاصيل التي يراها بعض الناس هيّنةً، تتراكم حتى تصنع ضميرًا يعتاد التفريط، وقلبًا يفقد حساسية الأمانة شيئًا فشيئًا.
فكل وظيفةٍ أمانةٌ قبل أن تكون مصدر دخل، الراتب ليس مكافأةً على مجرد الوجود، وإنما مقابل مسؤولية، وجهد، ووقت، وحقوق للناس، وحين يغيب الموظف بعُذر وهمي، أو يتعمَّد التأخُّر، أو يقضي ساعات العمل فيما لا يعنيه، فهو لا ينتقص من جهة عمله وحدها، وإنما يأخذ ما لا يقابله أداءٌ حقيقيٌّ، وقد يظنُّ أنه كسب ساعات من الراحة، بينما يخسر شيئًا أثمَنَ؛ احترامه لنفسه، وقيمة الأمانة التي كانت تحفظه من الانزلاق.
والأخطر أن الخيانة لا تقفُ عند صاحبها، فمعاملة مُعطَّلة قد تُؤخّر علاج مريضٍ، أو تُوقف رزق أُسرةٍ، أو تربك مشروعًا، أو تُعطّل حقًّا ينتظر صاحبه منذ أشهر، فخلف كل ورقة تُؤجَّل إنسانٌ ينتظر، وخلف كل إهمالٍ قصةٌ لا يراها الموظف وهو يغادر مكتبه مطمئنًّا إلى أن الأمر بسيط، ما يبدو صغيرًا من جهة الفاعل، قد يكون ثقيلًا جدًّا على من ينتظر أثره.
ومن أخطر الأوهام أن الإنسان يقيسُ الخطأ بحجمه الظاهر، لا بأثره الحقيقي، فيُكرّر الفعل حتى يُصبح عادةً، ثم يصبح جزءًا من شخصيَّته، ثم يفقد القدرة على الشعور بأنه أخطأ أصلًا، عندها لا يعود السؤال: كيف وقعت في الخيانة؟ بل كيف أصبحت تراها أمرًا عاديًّا؟
الأمانة لا تتجزَّأ، ومَن يستهن بالدقائق يسهُل عليه الاستهانة بالساعات، ومن يهن عليه تعطيل الحقوق يضعف في نفسه الحاجز الذي يمنعه من تجاوزاتٍ أكبَرَ؛ ولهذا كانت البداياتُ الصغيرة أخطَرَ من النهايات الصاخبة؛ لأنها تدخل إلى النفس بهدوء، حتى تستقرَّ فيها دون مقاومةٍ.
ويظنُّ بعض الناس أن الذكاء هو القدرة على التحايل، وأن المهارة هي الإفلات من المساءلة، وأن الشطارة أن يحصل على الراتب كاملًا مع أقل قدرٍ من الأداء، تلك ليست شطارة، وإنما خسارة مُؤجَّلة، قد ينجو صاحبها من ملاحظة مدير، أو من نظام رقابي، أو من مُساءلة بشرٍ، غير أن ضميره يضعُفُ كل يوم، وثقة الناس به تتآكلُ كلما انكشف منه جانب.
والمال الذي لا يُؤخَذ بحقه الكامل لا يمنح صاحبه الطمأنينة التي يبحث عنها، قد يزداد الرصيد، ويبقى الشعور بالنقص حاضرًا؛ لأن الإنسان لا يعيش بالأرقام وحدها، وإنما يعيش براحة قلبه، ورضاه عن طريق كسبه، وثقته بأنه لم يحمل حقًّا ليس له، وكثير من الناس ينشغلون بالسعي وراء زيادة الدخل، ويغفلون عن السؤال الأهم: هل استحققت ما أخذتُ؟
ومَن يتأمَّل أحوال المجتمعات يُدرك أن أعظم المؤسسات ليست تلك التي تملك الميزانيات الأكبر، وإنما التي يعمل أفرادها بروح المسؤولية؛ فالموظف الأمين يختصر زمنًا، ويحفظ حقوقًا، ويصنعُ ثقةً، ويمنح الناس شعورًا بأن مصالحهم في أيدٍ تحفظها، أما الموظف المستهتر فينشر التعطيل، ويزرع الإحباط، ويجعل المراجعين يظنُّون أن التقصير هو القاعدة.
وقبل أن يخاف الإنسان من العقوبة النظامية، يجدُرُ به أن يسأل نفسه سؤالًا واحدًا: ماذا بقي من الأمانة في داخلي؟ فالأنظمة تعالج الظاهر، أما الضمير فهو الذي يحرس الإنسان حين لا يراه أحدٌ، ومن حافظ على أمانته حفظ كرامته، وأراح قلبه، ونام مطمئنًّا إلى أن رزقه لم يُبنَ على حقوق غيره، وأن ما يعود به إلى أسرته جاء من طريق يستحقُّ أن يفخَرَ به.
ضوء
«أداءُ الأمانة مِفتاحُ الرزقِ». - علي بن أبي طالب، رضي الله عنه.