د. عيسى محمد العميري
ليست كل الأرقام مجرد أرقام، فهناك أرقام تحمل في دلالاتها معاني الأمن والاستقرار، وتكشف عن حجم الجهود التي تبذلها مؤسسات الدولة ممثلة بوزارة العدل من أجل حماية الإنسان وصون المجتمع. ومن هذا المنطلق، تأتي الإحصائية الصادرة عن وزارة العدل الكويتية بشأن القضايا المسجلة أمام النيابة العامة خلال النصف الأول من عام 2026، والتي أظهرت انخفاضاً لافتاً في قضايا الاعتداء على النفس بنسبة 53 في المائة مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2025، بعدما تراجع إجمالي هذه القضايا من 607 قضايا إلى 284 قضية. إن هذا الانخفاض الكبير يستحق التوقف أمامه، ليس باعتباره نتيجة رقمية فحسب، وإنما بوصفه مؤشراً إيجابياً على مسار متكامل من الإصلاح التشريعي والتطوير المؤسسي وتعزيز منظومة العدالة وحماية المجتمع. وعندما نقرأ تفاصيل الإحصائية، تزداد أهمية هذه النتائج. فقد انخفضت قضايا القتل العمد والشروع فيه بنسبة 7 في المائة، من 26 قضية إلى 24 قضية، بينما سجلت جنح الضرب انخفاضاً كبيراً بلغ 63 في المائة، من 376 قضية إلى 137 قضية. كما تراجعت قضايا التهديد بالقتل أو بالإيذاء بنسبة 43 في المائة، من 99 قضية إلى 56 قضية. ولم تتوقف المؤشرات الإيجابية عند هذا الحد، فقد انخفضت حالات الانتحار والشروع فيه بنسبة 44 في المائة، من 61 حالة إلى 34 حالة، في حين تراجعت جنايات الضرب المسببة للآلام البدنية الشديدة بنسبة 65 في المائة، من 16 قضية إلى 6 قضايا. هذه الأرقام تعكس بوضوح أهمية العمل المستمر على تطوير المنظومة العدلية والجزائية، وتؤكد أن التشريعات ليست نصوصاً جامدة، وإنما أدوات فاعلة لحماية الإنسان والمجتمع عندما يتم تطويرها بما يتناسب مع المتغيرات والتحديات. وفي هذا السياق، فإن صدور قانون جديد للحماية من العنف الأسري يمثل خطوة تشريعية مهمة في تعزيز حماية الأسرة، باعتبارها اللبنة الأساسية في بناء المجتمع. كما أن حظر التنازل أو التصالح في جرائم اعتداء الأبناء على آبائهم، والجرائم الواقعة على الأطفال وناقصي وفاقدي الأهلية، يعكس توجهاً واضحاً نحو توفير حماية أكبر للفئات التي تحتاج إلى مظلة قانونية أكثر قوة. وهنا تظهر أهمية تطوير المنظومة الجزائية بصورة مستمرة، بحيث تكون قادرة على تحقيق الردع من جهة، وحماية الحقوق من جهة أخرى، مع تعزيز سرعة وكفاءة إجراءات العدالة، بما يرسخ ثقة المجتمع بالقانون ومؤسسات الدولة. ولا يمكن أيضاً فصلهذه النتائج عن أهمية الوعي المجتمعي. فالقانون وحده لا يكفي للقضاء على العنف والجريمة، وإنما يحتاج إلى مجتمع واعٍ، وأسرة مستقرة، ومؤسسات تعليمية وإعلامية وتوعوية تقوم بدورها في نشر ثقافة الحوار واحترام الآخر والاحتكام إلى القانون بعيداً عن العنف والانفعال. إن انخفاض قضايا الاعتداء على النفس بنسبة 53 في المائة خلال النصف الأول من عام 2026 يمثل نجاحاً مهماً لوزارة العدل، ويبعث برسالة إيجابية مفادها أن مسيرة الإصلاح والتطوير تؤتي ثمارها عندما تستند إلى رؤية واضحة وإرادة جادة وعمل مؤسسي متواصل. والأهم من تسجيل هذا الإنجاز هو البناء عليه، من خلال مواصلة تحديث التشريعات، وتعزيز حماية الأسرة والطفل، وتطوير أدوات العدالة، ودعم البرامج الوقائية والتوعوية، والعمل على معالجة الأسباب الاجتماعية التي قد تقود إلى العنف والجريمة. وفي النهاية، فإن أفضل ما يمكن أن تقوله هذه الأرقام هو أن العدالة عندما تتطور، فإنها لا تكتفي بملاحقة الجريمة، بل تسهم في منعها، وعندما تتكامل التشريعات مع المؤسسات والوعي المجتمعي، يصبح القانون سياجاً لحماية الإنسان وركيزة لترسيخ الأمن والاستقرار. وهذا هو الإنجاز الحقيقي: أن يشعر الإنسان بأن حياته وكرامته وسلامته مصونة بالقانون، وأن الدولة تعمل باستمرار من أجل مجتمع أكثر أمناً وعدالة واستقراراً. والله ولي التوفيق.
** **
- كاتب كويتي