فضل العابدين
في الوقت الذي لا تزال فيه مؤسسات التعليم الإسلامي في مناطق مختلفة من العالم تواجه سؤال العلاقة بين العلوم الشرعية والمعارف الحديثة، تقدم ولاية كيرالا في جنوب الهند تجربة تعليمية تحاول التعامل مع هذا السؤال من داخل المنهج نفسه. ففي مدينة شيمّاد، بدأت دار الهدى الإسلامية عام 1986 مؤسسة أكاديمية إسلامية، ثم تطورت عام 2009 إلى جامعة إسلامية، لتبني على مدى عقود منظومة تعليمية تقوم على الجمع بين العلوم الإسلامية واللغات والعلوم الإنسانية والمعارف الحديثة.
لا تنطلق التجربة من مجرد إضافة بعض المواد العصرية إلى منهج ديني تقليدي، وإنما من تصور أوسع يرى أن المعرفة وحدة متكاملة، وأن تكوين الطالب المسلم يحتاج إلى الجمع بين التأهيل الشرعي واللغوي والفكري، وبين الأدوات العلمية التي تتيح له التعامل مع المجتمع الحديث.
تقوم فلسفة دار الهدى على فكرة يمكن تلخيصها في «وحدة المعرفة». فالعلوم، على اختلاف موضوعاتها ومناهجها، لا ينظر إليها باعتبارها جزرًا منفصلة، وإنما باعتبارها مجالات متكاملة في بناء الإنسان.
ومن هنا تجمع الخطة التعليمية بين القرآن الكريم والحديث والتفسير والفقه والتاريخ الإسلامي، وبين الرياضيات والعلوم والتكنولوجيا والعلوم الإنسانية واللغات. ويأتي هذا الجمع في إطار تدريجي يبدأ بالتأسيس وينتهي بالتخصص والبحث العلمي.
وتكمن أهمية هذا التصور في أنه يحاول تجاوز نموذجين متقابلين: تعليم ديني ينفصل عن التحولات العلمية والاجتماعية، وتعليم عصري قد يفقد الطالب صلته بالتكوين الشرعي والثقافي. أما دار الهدى فتسعى إلى إنشاء مسار ثالث يجمع بين المجالين.
ويمتد المسار الأساسي في دار الهدى اثنتي عشرة سنة، موزعة على خمس سنوات للمرحلة الثانوية، وسنتين للمرحلة الثانوية العليا، وثلاث سنوات للبكالوريوس، وسنتين للدراسات العليا.
ويبدأ الطالب رحلته التعليمية بعد اجتياز اختبارات للقبول، ثم ينتقل تدريجيا من مرحلة بناء الأساس العلمي واللغوي إلى مرحلة أكثر تخصصاً. ولا يمثِّل طول المسار مجرد زيادة في عدد سنوات الدراسة، وإنما يعكس محاولة لتكوين الطالب في أكثر من مجال قبل أن يختار تخصصه النهائي.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في نموذج التعليم الإسلامي؛ إذ إن الجمع بين مجالات معرفية متعددة يطرح دائماً سؤالاً حول مدى قدرة الطالب على تحقيق التوازن بين الاتساع والعمق. ولذلك يصبح الانتقال التدريجي من التعليم العام إلى التخصص أحد العناصر الأساسية في التجربة.
يعد التعليم اللغوي من أبرز ملامح المنهج. فالطالب يدرس العربية والإنجليزية والأردية والمالايالامية، ولا يقتصر الأمر على تعلم القواعد، بل يشمل القراءة والكتابة والتحدث والترجمة والتأليف.
وتحتل العربية مكانة مركزية باعتبارها لغة المصادر الإسلامية، ولذلك يتوسع تعليمها في المراحل المتقدمة ليشمل الأدب والبلاغة والعروض والترجمة والتأليف. وفي الوقت نفسه تمنح الإنجليزية الطالب نافذة على الإنتاج العلمي الحديث، بينما تتيح له الأردية والمالايالامية التواصل مع المجال الثقافي والاجتماعي في شبه القارة الهندية.
وفي مجتمع متعدد اللغات مثل الهند، لا تبدو هذه السياسة مجرد خيار تعليمي، بل أداة لبناء شخصية قادرة على الانتقال بين بيئات معرفية وثقافية مختلفة.
في الجانب الشرعي، يضم المنهج القرآن الكريم والحديث والتفسير والفقه وغيرها من العلوم الإسلامية، بينما تتضمن المراحل التعليمية المتقدمة الرياضيات والعلوم والتكنولوجيا.
وتعكس هذه البنية رغبة في عدم وضع العلوم الدينية والمعارف الحديثة في مسارين متوازيين لا يلتقيان. فالطالب الذي يتلقى التكوين الشرعي يظل على اتصال بالعلوم الحديثة، في حين أن اكتساب المعارف العصرية لا يعني التخلي عن التكوين الديني والروحي.
لكن هذا النموذج يواجه بطبيعته تحدياً تربوياً واضحاً: كيف يمكن تدريس هذا العدد من المجالات دون أن يتحول التكامل إلى اتساع على حساب العمق؟ وكيف يمكن المحافظة على المستوى المتخصص في العلوم الإسلامية مع منح الطالب كفاءة حقيقية في العلوم واللغات؟ وتبدو الإجابة في دار الهدى مرتبطة ببنية البرنامج الطويلة والتخصص في المراحل العليا.
في مرحلة الدراسات العليا، تتسع دائرة التخصص لتشمل القرآن وعلومه، والحديث وعلومه، والفقه وأصوله، والاقتصاد والتمويل الإسلامي، والعقيدة والفلسفة، والدراسات المقارنة للأديان، والدراسات الحضارية، والتنمية المجتمعية، واللغة العربية وآدابها، والترجمة والأدب المقارن.
ولا تقتصر هذه المرحلة على المقررات الدراسية؛ إذ تتضمن القراءة والتحليل للمصادر الأساسية، والتدريب، والبحث العلمي، وخدمة المجتمع، وإعداد بحث أو أطروحة في مجال التخصص.
وهنا ينتقل المشروع من سؤال «ماذا يتعلّم الطالب؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «ماذا يستطيع أن ينتج بما تعلمه؟». فالتكوين العلمي لا يكتمل، وفق هذا التصور، إلا عندما يتحول الطالب من متلق للمعرفة إلى قارئ وباحث وكاتب قادر على التعامل مع المصادر وتحليلها وإنتاج معرفة جديدة.
لا تنحصر العملية التعليمية في المقررات والمحاضرات. فالمنظومة الطلابية تشمل المناظرات والندوات والملتقيات العلمية وعروض البحوث والأنشطة الأدبية واللغوية، إضافة إلى الأندية التي تركز على العربية والإنجليزية والأردية والمالايالامية.
وتكتسب هذه الأنشطة أهمية لأنها تحول المعرفة النظرية إلى مهارات عملية: الخطابة، والحوار، والكتابة، والعمل الجماعي، والعرض، والبحث. وهي مهارات لا تقل أهمية عن التحصيل العلمي عندما ينتقل الخريج إلى الحياة المهنية والاجتماعية.
كما تحضر خدمة المجتمع ضمن المسار الأكاديمي، خاصة في الدراسات العليا، إلى جانب البرامج التدريبية التي يقدمها مركز التعليم والتدريب العام منذ تأسيسه عام 2012. وتشمل هذه البرامج دورات تستهدف فئات مختلفة من المجتمع، ومن بينها برامج لتأهيل الأئمة والتدريب على المفاهيم والممارسات الإسلامية.
وهكذا يصبح المجتمع نفسه جزءاً من عملية التعلّم، لا مجرد مجال يأتي إليه الطالب بعد التخرّج.
يمتد المشروع إلى مجال الكتاب والنشر والإعلام. فدار الهدى للنشر تعمل على إصدار الكتب العلمية والمقررات والمراجع والترجمات والمواد التعليمية بعدة لغات، بينها العربية والإنجليزية والأردية والمالايالامية.
أما مجلة «التلشام» المالايالامية، التي بدأت عام 1998، فقد تطورت من إسهام أدبي طلابي إلى مجلة تتناول موضوعات إسلامية وثقافية وفكرية وقضايا راهنة. وتوفر مشاركة الطلاب في العمل التحريري والإداري مساحة عملية لتعلم الكتابة والتحرير والعمل الصحفي.
وهذا الجانب مهم في أي نموذج تعليمي يريد تخريج شخصية قادرة على التواصل مع المجتمع؛ فالمعرفة التي لا تجد طريقها إلى الكتابة والنشر والحوار العام تظل محدودة الأثر.
لم تبق تجربة دار الهدى محصورة في مقرها بمدينة شيمّاد، بل توسعت من خلال مؤسسات وكليات ومراكز مرتبطة بها في مناطق مختلفة. وتشير بيانات الجامعة إلى اتساع شبكتها التعليمية، وارتفاع أعداد الطلاب وأعضاء هيئة التدريس والخريجين، ووجود مؤسسات تعليمية ارتبطت بالمنهج الذي طورته دار الهدى في مناطق مختلفة من الهند.
ويعني هذا الانتشار أن التجربة لم تعد مجرد مشروع محلي في كيرالا، بل تحولت إلى نموذج تعليمي يحاول نقل فلسفته إلى بيئات أخرى.
غير أن اتساع النموذج يفتح في المقابل أسئلة حول المحافظة على جودة التعليم والتكوين العلمي كلما اتسعت المؤسسة وتعددت مراكزها. فنجاح التجربة في مركزها الأصلي لا يعني بالضرورة أن النتائج نفسها تتحقق في كل مؤسسة تتبنى المنهج، وهو ما يجعل التقويم الأكاديمي المستقل عنصراً مهماً في الحكم على التجربة.
تشير المسارات المهنية والأكاديمية لخريجي دار الهدى إلى حضورهم في مجالات التعليم والبحث والصحافة والنشر والقانون والعمل الاجتماعي والإدارة الدينية، إضافة إلى مواصلة بعضهم الدراسة في جامعات داخل الهند وخارجها.
لكن أهمية التجربة لا تكمن في تنوع وظائف الخريجين وحده، وإنما في السؤال الذي تطرحه حول طبيعة التعليم الإسلامي في القرن الحادي والعشرين.
فهل يحتاج التعليم الإسلامي إلى الاختيار بين المحافظة على التراث والانفتاح على العلوم الحديثة؟ أم أن التحدي الحقيقي هو تطوير مناهج قادرة على الجمع بين الأمرين دون التضحية بعمق أي منهما؟
تقدم دار الهدى إجابة عملية، وإن كانت غير نهائية، عن هذا السؤال. فهي تحاول أن تجعل القرآن والحديث والفقه والتفسير جزءاً من تكوين علمي أوسع، يضم اللغات والعلوم الإنسانية والعلوم والتكنولوجيا والبحث والنشر وخدمة المجتمع.
تكشف تجربة دار الهدى عن جانب من البيئة التعليمية الإسلامية في كيرالا، وهي بيئة عرفت خلال العقود الماضية اهتماماً متزايداً بالتعليم والتأهيل الأكاديمي والانفتاح على اللغات والثقافات المختلفة.
ولا يعني ذلك أن تجربة دار الهدى تقدّم نموذجاً صالحاً للنسخ الحرفي في كل مكان؛ فلكل مجتمع سياقه الثقافي والتعليمي، ولكل مؤسسة إمكاناتها وتحدياتها. لكن قيمتها تكمن في أنها تقدم تجربة قابلة للنقاش والتقويم، وتضع أمام الباحثين سؤالاً يتجاوز حدود المؤسسة نفسها: كيف يمكن للتعليم الإسلامي أن يحافظ على جذوره العلمية والروحية، وفي الوقت نفسه يهيئ طلابه لعالم تتغير فيه المعرفة والمهن ووسائل التواصل بوتيرة متسارعة؟
ربما لا تكون الإجابة في الفصل بين «الديني» و«العصري»، وإنما في إعادة التفكير في العلاقة بينهما. وهذا هو الرهان الذي تحاول دار الهدى أن تخوضه منذ نشأتها: بناء تعليم لا ينظر إلى التراث بوصفه ماضيا مغلقا، ولا إلى المعرفة الحديثة بوصفها بديلاً عن الأصالة، بل يسعى إلى وضع الاثنين في مسار تعليمي واحد، يكون فيه العلم وسيلة لبناء الإنسان، والتربية طريقاً لتحويل المعرفة إلى مسؤولية، والدعوة امتداداً لخدمة المجتمع.