عايض بن خالد المطيري
في المجتمعات، لا تُقاس التحولات الخطِرة بما يُقال في العلن، بل بما يتبدّل في القيم عند أول اختبار حقيقي. وأكثر الاختبارات فجاجة هو المال؛ حين ينتقل بعض الأفراد من ضيق العيش إلى سعته، لا تتغيّر ظروفهم فقط، بل تنقلب خطاباتهم، وتُعاد صياغة قناعاتهم بمرونة تثير الريبة أكثر مما تثير الدهشة.
في مرحلة الكفاف، يرتفع منسوب الوعظ. تُستحضر مفردات التواضع، ويُعلن العداء لكل مظهر من مظاهر الإعلان عن الذات أو الإنجاز، ويُشنّ خطاب أخلاقي صارم ضد من ينشر مقطعًا أو يوثّق فعلًا أو يعبّر عن نجاح. تُلصق التهم بسهولة: «مهايطة»، «سخافة»، «تملّق»، وكأن الذوق العام حكر، وكأن النوايا تُقرأ من خلف الشاشات. في تلك المرحلة، يبدو التواضع قيمة مطلقة، لكنه في كثير من الأحيان ليس سوى رد فعل على العجز، لا خيارًا أخلاقيًا واعيًا.
المفارقة تبدأ حين يتبدّل الموقع الاجتماعي أو يتحسّن الدخل. فجأة، تتبدّل اللغة، وتتراجع الحروب الأخلاقية، ويصبح ما كان مرفوضًا بالأمس ممارسة عادية اليوم. لا يعود النشر سخافة، بل «مواكبة». ولا يصبح الإعلان عن الذات مهايطة، بل «متطلبات مجتمع». أما المبادئ السابقة، فتُطوى بهدوء تحت عناوين جاهزة: الناس تفعل ذلك، المجتمع تغيّر، نحن نعيش عصرًا مختلفًا. تبريرات تبدو عقلانية في ظاهرها، لكنها في عمقها تهرّب واضح من مواجهة الذات.
هذا التحوّل ليس ظاهرة فردية معزولة، بل نمط اجتماعي متكرر رصدته دراسات علم الاجتماع والسلوك، التي تؤكد أن المال والسلطة غالبًا ما يكشفان القيم الحقيقية أكثر مما يصنعانها. فالثبات الأخلاقي لا يُختبر في العسر فقط، بل في اليسر، حين تتسع الخيارات وتغيب المبررات. المشكلة لا تكمن في التغيّر بحد ذاته؛ فالتطوّر طبيعي، والمراجعة مطلوبة. الإشكال الحقيقي في ازدواجية الخطاب، وفي استخدام الأخلاق سلاحًا ضد الآخرين عند الحاجة، ثم تعليقها على شماعة «الظروف» عند تغيّر المواقع.
الأخطر من ذلك هو الأثر الجمعي لهذا السلوك. حين يرى المتابع هذا الانقلاب المتكرر، تتآكل الثقة في الخطاب العام، ويُصاب مفهوم القيم بالتسييل. لا يعود الناس يميّزون بين النقد المبدئي والتصفية الشخصية، ولا بين الذوق الحقيقي والغيرة المقنّعة. هنا، تتحوّل السخرية الهادئة إلى ملاذ أخير: فبعض من أعلنوا الحرب على «ركوب الموجة» كانوا أول من تسابق إلى مقدّمتها، وبعض من نادوا بالصمت والاحتشام اكتشفوا فجأة فضيلة الظهور حين أصبحت الكاميرا في متناول اليد.
الحل لا يكمن في محاكمة الناس على تغيّرهم، بل في استعادة معيار واضح: الاتساق. أن يحقّ للإنسان أن يراجع أفكاره دون أن ينكر ماضيه، وأن يطوّر أدواته دون أن يزدري من سبقوه أو لحقوه. كما أن على المنصات الإعلامية والثقافية أن تعيد الاعتبار للنقد المسؤول، القائم على الفعل لا على الشخص، وعلى المبدأ لا على المزاج. التربية الإعلامية، وتعزيز الوعي بالفرق بين التعبير المشروع والاستعراض الفارغ، تبقى أدوات أساسية لضبط هذا الخلل.
خلاصة وجهة النظر.. لا يُطلب من الناس أن يبقوا كما هم، بل أن يكونوا صادقين مع أنفسهم. المال قد يغيّر نمط الحياة، لكنه لا ينبغي أن يبدّل القيم بالسهولة ذاتها. المجتمعات لا تنهض بكثرة الوعّاظ عند الفقر، ولا بكثرة المبرّرين عند الغنى، بل بأفراد يملكون شجاعة التوازن، ويؤمنون أن المبدأ الذي لا يصمد أمام أول رصيد، لم يكن مبدأً من الأساس.