الثقافية - علي بن سعد القحطاني:
لا يبدو كتاب «رحلة قلم» للكاتب والصحفي السعودي الراحل عبدالله بن عثمان القصبي مجرد مجموعة من المقالات التي جُمعت بين دفتي كتاب؛ إذ تستعيد صفحاته جانبًا من تاريخ الصحافة السعودية، وتحولات المجتمع والدولة، وقضايا المنطقة العربية، من خلال قلم جمع صاحبه بين التجربة الصحفية والعمل الحكومي والإدارة والتنمية.
وتتجاوز قيمة هذه المقالات زمن نشرها؛ لأنها كُتبت في مراحل كانت المملكة تشهد فيها تحولات واسعة، وكانت الصحافة السعودية تبحث عن موقعها ودورها وحدود مسؤوليتها. ومن هنا يقدم الكتاب صورة لكاتب لم يكن يراقب الواقع من بعيد، بل عاش جانبًا من مؤسساته وتحولاته، ثم عاد إليه بالقلم والتحليل والرأي.
صدر الكتاب في طبعته الأولى عن دار المرسى للنشر والتوزيع عام 1431هـ/2010م، وجاء في 578 صفحة. ويضم حصيلة من مقالات القصبي المنشورة في الصحافة السعودية خلال سنوات طويلة، إلى جانب تصدير ومقدمة وشهادات عن تجربته. ويتوزع على أبواب تجمع بين قضايا الصحافة والوطن والتنمية والاقتصاد والسياسة العربية والعلاقات الدولية.
ويكشف عنوان «رحلة قلم» عن طبيعته؛ فهو لا يقدم سيرة ذاتية تقليدية لعبدالله القصبي، بقدر ما يرصد رحلة أفكاره ومواقفه عبر المقالة الصحفية.
ولذلك قال الأديب عبدالله مناع في مقدمته إن الكتاب «لا يروي قصة حياة كاتبه»، وإن تناثرت في صفحاته جوانب منها، وإنما يروي رحلة قلمه مع أفكاره وآرائه وأحلامه ورؤاه، ومع اتفاقه واختلافه مع السائد والمألوف.
الخويطر: جيل أسهم في النهضة الثقافية
يفتتح الكتاب بتصدير للدكتور عبدالعزيز الخويطر، يتوقف فيه عند المكانة التي احتلها عبدالله القصبي بين الأدباء والكتّاب والصحفيين السعوديين الذين أسهموا في بناء الحياة الثقافية والصحفية في مراحلها المبكرة.
ويصف الخويطر القصبي بأنه أديب معروف وكاتب بارز وعَلَم من أعلام الثقافة، ويربط تجربته بجيل لم يكتف بتقليد التجارب الصحفية الأخرى، بل سعى إلى أن يمنح الصحافة السعودية شخصيتها واتجاهها، وأن يجعل منها وسيلة للمعرفة والنقد المسؤول وخدمة المجتمع.
وفي هذه الرؤية لا تبدو الصحافة مهنة منفصلة عن قضايا الناس، بل أداة لاكتشاف مواطن النقص والقصور، ووسيلة لإظهار الحقيقة بأسلوب يتسم بالنزاهة والمسؤولية. وهي فكرة تفسر جانبًا مهمًا من المقالات التي جمعها الكتاب، ولا سيما مقالاته في الإعلام والتنمية والإدارة.
كما يلفت التصدير إلى أهمية جمع النتاج الفكري والأدبي للقصبي وحفظه للباحثين؛ إذ لا يمثل ذلك وفاءً لكاتب بعينه فحسب، بل يسهم في حفظ الذاكرة الفكرية والثقافية للمملكة، ويتيح للدارسين العودة إلى نصوص كُتبت في زمن الحدث نفسه.
غازي القصيبي: أسهم في تنوير الرأي العام
يحمل الغلاف الخلفي للكتاب كلمة للدكتور غازي بن عبدالرحمن القصيبي، يضع فيها عبدالله القصبي ضمن جيل الرواد الذين تركوا بصماتهم في الحياة الثقافية والصحفية، ويربط تكوينه بتجربته المبكرة في العراق، ثم بدراسته في مصر، وما أتاحته له تلك البيئات من اتصال بالتيارات والمدارس الفكرية والأدبية المختلفة.
ويشير غازي القصيبي إلى تعدد المحطات التي مر بها صاحب «رحلة قلم»؛ من التعليم والتكوين الثقافي، إلى العمل الإداري والحكومي، ثم الانتقال إلى القطاع الخاص، قبل أن تظل الصحافة حاضرة في مسيرته بوصفها المجال الأقرب إلى ميوله وطموحه.
ويخص القصيبي تجربة عبدالله القصبي الصحفية بإشارة لافتة، فيقول:
«لقد أسهم القصبي في تنوير الرأي العام من خلال منبر الصحافة التي عمل فيها كاتبًا ومديرًا عامًا لمؤسسة المدينة للصحافة».
ويرى أن عبدالله القصبي كان واحدًا من جيل إعلامي ظهر «بنكهة مختلفة»، مستفيدًا من خبراته في العراق ومصر، ومن رحلاته وقراءاته واتصاله بالحوارات الفكرية والثقافية التي شهدتها تلك البيئات. ولذلك لم يكتب من داخل التجربة المحلية وحدها، بل حمل إليها معرفة اكتسبها من الدراسة والسفر والعمل والاحتكاك بمجتمعات عربية متعددة.
من الزبير إلى القاهرة
وُلد الأستاذ عبدالله القصبي في الزبير بالعراق لأسرة سعودية، ودرس هناك مراحل تعليمه الأولى، قبل أن ينتقل إلى القاهرة لاستكمال دراسته الجامعية. وشكلت القاهرة في حياته مرحلة ثقافية مهمة؛ ففيها اقترب من الوسط الأدبي والصحفي، وقرأ الإنتاج الفكري والسياسي العربي، واتجه مبكرًا إلى الصحافة بوصفها مستقبلًا مهنيًا وفكريًا.
وتشير مقدمة عبدالله مناع إلى أن القصبي حمل منذ شبابه رغبة في أن يكون صحفيًا وكاتبًا، غير أن عودته إلى المملكة قادته في مرحلة مبكرة إلى العمل الإداري ومشروعات التنمية. ومع ذلك لم تغب الكتابة عن اهتمامه، بل بقيت مشروعًا مؤجلًا ظل حاضرًا خلف مسؤوليات العمل العام.
تجربة في التنمية والإدارة
عاد القصبي إلى المملكة في مرحلة كانت فيها مؤسسات الدولة الحديثة تتشكل وتتوسع، فالتحق بالعمل الحكومي، وشارك في عدد من الأعمال المرتبطة بوزارة المواصلات والطرق، ثم تولى مسؤوليات إدارية في مجالات التنمية والخدمات البلدية.
وتمنح هذه التجربة مقالاته المتعلقة بالتنمية والاقتصاد والإدارة بعدًا مختلفًا؛ فهو لم يكن يتابع تلك الملفات من خارج المؤسسات، بل عرف تفاصيلها ومشكلاتها من الداخل. ولذلك لم يكن القصبي الصحفي منفصلًا عن القصبي الإداري؛ فعندما يكتب عن مشروع أو طريق أو مؤسسة أو قرار إداري، تظهر خلف المقالة خبرة عملية طويلة في التعامل مع المسؤولية اليومية وبناء المؤسسات.
وبذلك تداخل في شخصيته رجل الصحافة ورجل الإدارة ورجل التنمية، وهو تداخل منح مقالاته الاقتصادية والإدارية مادة تتجاوز التنظير المجرد، وتستند إلى المعرفة المباشرة بالواقع.
العودة إلى «صاحبة الجلالة»
بعد سنوات من العمل الإداري عاد القصبي إلى المجال الذي ظل يشده منذ شبابه: الصحافة. وشغل منصب المدير العام لمؤسسة المدينة للصحافة، وكتب في صحيفة «المدينة» ومجلة «اقرأ» وغيرها، وعاد إلى المقالة بوصفها المساحة التي يستطيع من خلالها التعبير عن مواقفه من القضايا المحلية والعربية والدولية.
ولم تكن عبارة «العودة إلى بلاط صاحبة الجلالة» في تقسيم الكتاب اختيارًا عابرًا، بل تعبيرًا عن علاقة قديمة بين القصبي والصحافة، انقطعت مهنيًا في بعض المراحل، لكنها بقيت حاضرة في اهتماماته وثقافته.
ويستعيد عبدالله مناع في مقدمته قصة توقف القصبي عن الكتابة بعد إحدى مقالاته السياسية، وكيف كان، حتى في فترة ابتعاده عن النشر، يشعر بالحنين إلى المطبعة ورائحة الحبر وأصوات آلات الطباعة. وتكشف هذه التفاصيل أن علاقته بالصحافة كانت أعمق من ممارسة وظيفة أو كتابة عمود، فقد أصبحت جزءًا من تكوينه الشخصي.
المقالة موقف لا مجاملة
تكشف مقالات «رحلة قلم» عن كاتب لا يفصل الصحافة عن المسؤولية العامة. فهو يناقش القضايا السياسية والاقتصادية والإعلامية، ويعود إلى التاريخ بحثًا عن جذور الأحداث، ويقرأ العلاقات الدولية من زاوية المصالح والتحولات، ولا يتردد في نقد الممارسات التي يرى أنها تحتاج إلى مراجعة.
وكان الاختلاف عنصرًا بارزًا في تجربته. ويلتقط عبدالله مناع هذه السمة حين يتحدث عن «الاتفاق والاختلاف» في حياة القصبي الفكرية والسياسية، موضحًا أن اختلافه لم يكن بحثًا عن الإثارة أو المخالفة لذاتها، بل ثمرة قراءة وموقف يرى صاحبه أنه قادر على الدفاع عنه.
ولهذا يستحضر مناع بيت المتنبي الذي يبدو ملخصًا لواحد من دوافع النقد عند القصبي:
لم أرَ في عيوب الناس عيبًا
كنقص القادرين على التمام
فالنقد عنده ليس رغبة في الانتقاص من الأشخاص أو المؤسسات، بل مطالبة بما هو أفضل، وكشف لما يحتاج إلى إصلاح.
الوطن والإعلام والقضايا العربية
تتوزع مقالات الكتاب على محاور رئيسية تشمل قضايا الوطن والتنمية، وهموم الأمة العربية ، إضافة إلى الاقتصاد والإدارة والإعلام. ويتميز حديث القصبي الاقتصادي والإداري بأنه يستند إلى تجربة عملية في العمل الحكومي والقطاع الخاص، لا إلى المعرفة النظرية وحدها.
أما الإعلام فظل أحد أكثر موضوعاته حضورًا؛ إذ كتب عن وظيفة الصحافة ورئيس التحرير، وعن التأهيل الإعلامي، والعلاقة بين الحرية والمسؤولية، وضرورة تطوير العمل الإعلامي. وفي عدد من مقالاته تظهر أسئلة ما تزال مطروحة اليوم: كيف يكون الإعلام مؤثرًا لا تابعًا؟ وكيف يقدم روايته للعالم؟ وما الفرق بين الخبر والإقناع والدعاية؟ وكيف يمكن بناء إعلام مهني يمتلك المعرفة والتخصص؟
وتزداد أهمية هذه المقالات إذا وُضعت في سياقها التاريخي؛ فقد كُتب كثير منها قبل عصر الفضائيات والإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، ومع ذلك فهي تلامس قضايا ترتبط بجوهر العمل الإعلامي أكثر من ارتباطها بالوسيلة المستخدمة.
كما تتجه مجموعة من المقالات إلى قراءة التحولات الإقليمية والدولية، ومنها حرب الخليج، ومجلس التعاون الخليجي، وإيران، والعلاقات العربية بالقوى الدولية. ولم يكن القصبي يقدم نفسه محللًا سياسيًا متخصصًا، لكنه تابع الأحداث من موقع المثقف والصحفي الذي يجمع بين القراءة التاريخية والخبرة الإدارية والاهتمام بالمستقبل.
ذاكرة صحفية محفوظة
تنبع القيمة الأهم لـ«رحلة قلم» من كونه يحفظ مادة كانت موزعة في أعداد صحف ومجلات قديمة، يصعب الوصول إلى بعضها اليوم. وتحويل هذا النتاج إلى كتاب يفتح المجال أمام الباحثين في تاريخ الصحافة السعودية ودراسات الإعلام والتاريخ الاجتماعي والسياسي للرجوع إلى نصوص كُتبت في زمن الحدث نفسه.
ولهذا شدد عبدالعزيز الخويطر في تصديره على أهمية جمع آثار القصبي الفكرية والأدبية، فيما ذهب عبدالله مناع إلى أن الكتاب يمثل رحل ة قلم أكثر من كونه قصة حياة. وهو بالفعل كذلك؛ إذ يتعرف القارئ إلى القصبي عبر ما اختار أن يكتب عنه، والقضايا التي أغضبته أو أثارت أسئلته، والمواقف التي وافق عليها أو خالفها.
وفي خاتمة مقدمته، المؤرخة في جدة في 16 محرم 1431هـ الموافق 2 يناير 2010م، يؤكد عبدالله مناع أن الكتاب لا يروي حياة عبدالله القصبي كاملة، وإنما رحلة قلمه مع أفكاره وآرائه وأحلامه وانتصارات أمته وإخفاقاتها.
وهكذا لا يكتفي «رحلة قلم» بتوثيق مقالات عبدالله القصبي، بل يستعيد تجربة رجل جمع بين المعرفة والعمل، وبين بناء المؤسسات ومساءلتها بالكلمة. وهو كتاب يحفظ جانبًا مهمًا من ذاكرة الصحافة السعودية، ويمنح القارئ فرصة لقراءة مرحلة كاملة عبر قلم أحد شهودها وصانعي بعض مؤسساتها.