إبراهيم بن يوسف المالك
تتحرك السعودية داخل علاقة عمرها قرن، لكنها لا تدخلها بالعقلية التي بنت نصفها الأول؛ فالمملكة التي كان العالم ينظر إليها طويلًا باعتبارها مصدرًا للطاقة وسوقًا للسلع والخدمات أصبحت اليوم طرفًا لا تكتمل بعض حسابات المستقبل من دونه.
ولعل المشهد الذي سبق اللقاءات السياسية والاقتصادية في باريس يختصر هذا التحول بطريقة لا تحتاج إلى كثير من الشرح. ولي العهد يحضر نهائي كأس العالم للرياضات الإلكترونية الذي انطلقت نسخته الأولى من السعودية ثم وصل إلى باريس، وقد يبدو المشهد بعيدًا عن السياسة، لكنه يقول شيئًا مهمًا: السعودية لم تعد تستقبل العالم فقط، بل بعض ما تصنعه أصبح يتحرك من السعودية إلى العالم.
هذه ليست قصة بطولة رياضية، وإنما صورة لتحول أوسع في علاقة المملكة بالعالم؛ فالدولة التي كانت تبحث عن التقنية والخبرة ورأس المال أصبحت تملك بدورها سوقًا ورأس مال ومشروعات وقدرة على صناعة الفرص، ولذلك تغير السؤال من ماذا يمكن أن تأخذ السعودية من شركائها إلى ماذا يمكن أن تبني معهم.
وهنا تكتسب فرنسا أهميتها، ليس لأنها تملك قطاعات تحتاجها السعودية فحسب، فهذه قراءة تختصر العلاقة في قائمة من المصالح، وإنما لأن فرنسا تمثل شريكًا قادرًا على الدخول مع المملكة في مجالات تصنع المستقبل وليس فقط في مجالات تخدم الحاضر.
وليس من المصادفة أن تكون فرنسا اليوم رابع أكبر مصدر للاستثمار الأجنبي المباشر إلى المملكة؛ فقد بلغ رصيد استثماراتها 16.3 مليار يورو في 2024 بعد أن تضاعف خلال خمس سنوات، والرقم مهم لأنه يكشف شيئًا يتجاوز حجم المال: العلاقة الاقتصادية لم تعد قائمة على التبادل فقط، وإنما بدأت تدخل بوضوح في مساحة بناء القدرات.
ولهذا يصبح التصنيع والمعرفة وسلاسل الإمداد ونقل الخبرة أهم من حجم التدفقات نفسها، فالمطلوب ليس رأس مال يأتي إلى السعودية ثم يغادرها، بل قدرة إنتاجية تبقى بعد انتهاء المشروع.
والطاقة تقدم المعنى نفسه بصورة أوضح؛ فالسعودية لا تنتقل من النفط إلى ما بعد النفط، إنها تنتقل من بيع المورد إلى صناعة القيمة حوله، ولهذا يصبح التعاون في الهيدروجين والطاقة منخفضة الكربون والتقنيات المرتبطة بهما جزءًا من بناء موقع في اقتصاد الطاقة القادم، وليس مجرد بحث عن بديل للنفط.
والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي واللوجستيات ليست قطاعات تضاف إلى الاقتصاد السعودي فحسب، بل أدوات تعيد تشكيل القطاعات التي عرفناها أصلًا، ومن يملك البنية والمعرفة في هذه المجالات سيكون له تأثير أكبر في الاقتصاد الذي يتشكل.
هنا تتقاطع السياسة مع الاقتصاد؛ فالدولة التي توسع صناعتها وتبني تقنيتها وتطور لوجستياتها وتفتح أسواقها لا تصبح أكثر ثراء فقط، وإنما أكثر قدرة على الاختيار، والاختيار في السياسة الدولية قوة.
لهذا لا تبدو العلاقة مع فرنسا محاولة للبحث عن بديل لقوة أخرى، فتلك قراءة تنتمي إلى زمن كانت فيه العلاقات الدولية تُفهم بمنطق الاصطفاف. السعودية اليوم تنظر إلى الأمر من زاوية أوسع؛ هي لا تنوع حلفاءها بقدر ما تنوع مصادر قوتها.
كل علاقة تضيف شيئًا إلى قدرتها تصبح ذات قيمة. فرنسا تضيف ما تملكه من صناعة وتقنية وخبرة وقدرة سياسية، والسعودية تضيف سوقها ورأس مالها ومشروعاتها وموقعها المتنامي في الاقتصاد العالمي، من الطاقة والتقنية إلى قطاعات جديدة مثل الترفيه. وعندما يلتقي الطرفان عند هذه النقطة تصبح الشراكة أكبر من تبادل المصالح.
وهنا تأتي أهمية مجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي الفرنسي، فاختبار الشراكة ليس في عدد الاجتماعات ولا في عدد الاتفاقيات، وإنما في ما إذا كانت الثقة السياسية تستطيع أن تتحول إلى قدرة مؤسسية ومشروعات وصناعات ومعرفة تستمر بعد انتهاء الزيارة.
وهذا هو التحدي الذي يواجه العلاقة في عامها المائة؛ مائة عام صنعت الثقة، أما المائة عام المقبلة فعليها أن تصنع شيئًا آخر: قدرة مشتركة على بناء المستقبل.
وربما لهذا يصبح مشهد الرياضات الإلكترونية في باريس أكثر دلالة مما يبدو. مشروع سعودي يصل إلى عاصمة عالمية، وفي الوقت نفسه تتحرك الاستثمارات السعودية وتتوسع الشراكات الصناعية والتقنية والطاقة، وهذه ليست ملفات متفرقة، وإنما صور مختلفة لتحول واحد: السعودية بدأت تنتقل من موقع يتلقى تأثيرات العالم إلى موقع يستطيع أن يؤثر في بعض اتجاهاته.
ولا يعني ذلك أن المملكة أصبحت مكتفية أو أنها تستطيع بناء كل شيء وحدها؛ القوة لا تأتي من الاكتفاء، بل من معرفة ما تحتاجه الدولة ومن أين تحصل عليه وكيف تحوله إلى قدرة لا تعتمد على مصدر واحد.
وهذه ربما هي الزاوية الأهم في زيارة ولي العهد إلى باريس. فالسعودية لا تبحث عن شريك يحمل عنها مشروع المستقبل، ولا تبحث عن قوة تستعيرها من الآخرين، وإنما تبني شبكة من العلاقات تجعلها أكثرقدرة على الحركة والاختيار وصناعة مصالحها.
بعد مائة عام من العلاقات السعودية الفرنسية قد لا يكون السؤال الأهم ماذا ستنتج هذه الزيارة من اتفاقيات، بل ماذا سيبقى منها بعد سنوات.
فالدول لا تغيّر موقعها عندما تصبح أكثر حضورًا في العالم فقط؛ تغيّر موقعها عندما يصبح حضورها نفسه جزءًا من حسابات الآخرين.
وفي باريس لا تذهب السعودية لتبحث عن مكان في مستقبل يصنعه الآخرون؛ إنها تذهب وهي تحمل معها شيئًا من المستقبل الذي تصنعه هي.