محمد عادل
لسنوات تعاملت الشركات مع التدريب باعتباره نشاطا منفصلا عن العمل: نحدد فجوة في المهارات، نصمم برنامجا، نضعه على منصة التعلم، يحضر الموظف، ثم ننتظر أن ينعكس ما تعلمه على الأداء.
لكن هذا النموذج يواجه مشكلة جوهرية: العمل يتغير أسرع من قدرة التدريب التقليدي على مواكبته ووفقا لتقريرFuture of Jobs 2025 يتوقع أصحاب العمل تغير 39 % من المهارات الأساسية بحلول 2030، بينما تصل النسبة في مصر إلى 48 % كما يرى جزء كبير من أصحاب العمل أن فجوة المهارات تمثل أكبر عائق أمام تحول الأعمال.
ومن منظور تنفيذي، هذه الأرقام لا تعني أننا بحاجة إلى مزيد من الدورات فقط، بل تعني أننا بحاجة إلى إعادة التفكير في وظيفة التدريب نفسها، وهنا يأتي دور التعلم القائم على الذكاء الاصطناعي AI-Native Learning!
ببساطة، لا يعني AI-Native Learning استخدام الذكاء الاصطناعي فقط لكتابة المحتوى أو إنتاج فيديوهات التدريب، بل يعني تصميم منظومة التعلم نفسها حول قدرات الذكاء الاصطناعي، بحيث يصبح التعلم أكثر تخصيصا وتكيفا وارتباطا بسياق العمل.
وهنا يظهر مفهوم آخر وهو: التمكين الديناميكي Dynamic Enablement
فإذا كان التدريب التقليدي يقول للموظف: تعلم أولا، ثم عد إلى عملك وطبق ما تعلمته، فإن التمكين الديناميكي يعكس المعادلة: أنت تعمل، ونحن نمكنك من التعلم أثناء العمل أي الانتقال من تدريب ثابت ومحدد مسبقا إلى توفير المعرفة والمهارات والدعم داخل سير العمل نفسه، ولم تعد المعرفة محصورة في دورة أو منصة، بل يمكن أن تأتي من سياسات الشركة، ومستنداتها، وخبرات موظفيها، وقواعد المعرفة، والمواد التدريبية، ثم يستخدم الذكاء الاصطناعي هذه المصادر لتقديم ما يحتاجه الموظف في سياقه الفعلي.
وهذا التحول مهم خصوصا لأن الشركات تنفق عالميا نحو 400 مليار دولار سنويا على التعلم المؤسسي، ومع ذلك تشير أبحاث Josh Bersin Company إلى أن 74 % من المؤسسات لا تواكب احتياجاتها المتزايدة من المهارات.
فإذا كنت مديرا، فالسؤال لا ينبغي أن يكون: كم دورة نقدم للموظفين؟
بل: هل يستطيع الموظف الوصول إلى المعرفة التي يحتاجها في اللحظة التي يحتاجها فيها؟
فتخيل موظف مبيعات يواجه اعتراضا جديدا من عميل، ففي النموذج التقليدي قد يبحث عن دورة أو ملف تدريبي، أما في نموذج AI-Native، فيمكنه سؤال النظام مباشرة عن أفضل طريقة للتعامل مع الاعتراض، والحصول على مثال أو Simulation مرتبط بسياق عمله، وهنا يتحول التعلم من مجرد حدث منفصل إلى أداة لتحسين الأداء، وهذا يغير أيضا دور إدارة التعلم والتطوير» LالجزيرةD» فلم يعد النجاح يقاس فقط بعدد الدورات أو ساعات التدريب أو نسب الإتمام، بل بأسئلة أكثر ارتباطا بالأعمال: هل ساعد التعلم الموظف على اتخاذ قرار أفضل؟ حل مشكلة أسرع؟ أو تحقيق نتيجة أقوى؟
لكنني لا أعتقد أن مستقبل LالجزيرةD هو استبدال المدرب بالذكاء الاصطناعي، فعلى العكس، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحرر فرق التعلم من جزء كبير من العمل التشغيلي، مثل إعداد المحتوى وتحديثه وتخصيصه، ليمنحها مساحة أكبر للتركيز على بناء القدرات، وتحديد المهارات الاستراتيجية، وربط التعلم مباشرة بتحسين الأداء ونتائج الأعمال.
وفي النهاية يجب أن ندرك أن المؤسسة الأكثر استعدادا للمستقبل لن تكون بالضرورة التي تمتلك أكبر مكتبة دورات، بل التي تستطيع أن تتعلم بالسرعة التي يتغير بها السوق!
وهنا تحديدا تكمن قيمة AI-Native Learning، ليس في أن يجعل التدريب أسرع أو أرخص فقط، وإنما في أن يجعل التعلم جزءا من طريقة عمل المؤسسة نفسها!