د. محمد بن إبراهيم الملحم
استمراراً لحديثي في المقالة السابقة حول مشكلة هذا النوع من الاختبارات وأثرها السلبي على ثقافة التعلّم وتأسيسه لدى الطالب بطريقة صحية وصحيحة وتربوية، فنؤكد هنا أننا كلنا نؤمن بضرورة الاختبارات وحاجة النظام التعليمي إلى معيار مشترك وكذلك حاجة الطالب والمجتمع إلى شهادة ذات مصداقية، وبنفس الوقت فإن الاعتماد الكامل على تقدير المدرسة لطلابها فقط يجعل المقارنة أكثر صعوبة، ولذلك ليس الحل في إلغاء الاختبارات الخارجية (عالية المخاطر) وإنما في تخفيض «مصيريتها»، ويكون ذلك بعدة طرق: منها ألا يبنى القرار على اختبار واحد، بل على مجموعة من الأدلة الإضافية معه مثل: أداء الطالب، وأعمال أو مشروعات مناسبة، وتقويمات مدرسية مضبوطة. وهذا هو الاتجاه الذي يظهر في النظم الدولية؛ فقد درست منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD عام 2026 سبعين شهادة دراسية عليا في 38 نظاماً تعليمياً، ووجدت أن معظمها يستخدم أكثر من مهمة تقويمية، وأن 42 شهادة تجمع بين تقويم خارجي وتقويم داخلي، ومن الوسائل كذلك توزيع التقويم على أكثر من مناسبة بدلاً من يوم واحد، وإتاحة فرصة ثانية في القرارات المصيرية (وهو ما تعمله قياس لدينا مثلاً في اختبارات القدرات)، وكذلك الفصل قدر الإمكان بين الاختبارات التي هدفها مساعدة الطالب على التعلّم واختبارات إصدار الحكم النهائي عليه، مع الإكثار من التغذية الراجعة خلال العام بحيث يعرف الطالب خطأه وكيف يصححه قبل أن تتحول معرفته إلى رقم نهائي، كما ينبغي ألا يكون ترتيب الطلاب ومقارنتهم ببعضهم هو الرسالة الدائمة المصاحبة للتقويم، وإنما مدى تقدم كل طالب نحو معايير تعلّم معلنة ومفهومة للجميع وهي مهمة متقدمة وتحتاج إلى كثير من التنظيم والوعي التربوي والالتزام.
لكنما هذه الحلول تواجهها مشكلتان لا ينبغي تجاهلهما، الأولى تظهر عندما نخفف وزن الامتحان الخارجي بإضافة درجات المعلم إليه، فهو يدخل قدراً جديداً من الذاتية والحوافز ومشكلات المجاملة الاجتماعية، وتشير مراجعة للاقتصادي هانس هنريك سيفرتسن Hans Henrik Sievertsen إلى وجود أدلة على «تضخم الدرجات» في بعض النظم، وعلى أن الحوافز التي تواجه المدرسة والمعلم قد تشجع أحياناً على التساهل في التقدير، وهذا مشهود لدينا في تعليمنا بوضوح، وفي السويد مثلاً ظهرت معدلات أعلى لتضخم الدرجات في البيئات التي تزداد فيها المنافسة بين المدارس، كما حذَّر المجلس القومي للبحوث من تعارض المصالح عندما يكون المعلم مسؤولاً عن تقويم له عواقب كبيرة على طلابه في الوقت الذي يتعرض فيه لضغط اجتماعي أو إداري للحصول على نتائج مرتفعة (لتحسين سمعة المدرسة مثلاً أو لأي سبب آخر)، ولهذا تحتاج درجات المعلمين إلى معايير مشتركة، ونماذج أداء واضحة، ومراجعة خارجية أو معايرة بين المدارس.
أما المشكلة الثانية فقد تبدأ قبل أن يصل الطالب إلى الاختبار عالي المخاطر، أعني وهو في المرحلة الابتدائية أو المتوسطة مثلاً، حيث يستحضر الوالدان نفسية هذا الاختبار داخل المنزل عندما يكون لدى الطالب اختبار مدرسي قادم، وينطلق ذلك من معرفة الأب والأم أن هناك اختبارات مصيرية أكثر أهمية تنتظر ابنهما مستقبلاً، فيبدآن منذ المرحلة الابتدائية في تعويده نفسياً عليها: فيكون تضخيم أهمية الدرجة، والمقارنة بزملائه، وربط المكافأة والرضا الأسري بالنتيجة، وتحويل فترة الاختبارات المدرسية العادية إلى حالة طوارئ كله وسيلة لجعل الطالب الصغير يعيش فعلاً حالة الاختبارات عالية المخاطر مبكراً، وهنا فإن الأسرة تصنع «مخاطر» لم تضعها المدرسة أصلاً، وقد وجدت دراسة حديثة أجراها لينجيا تشانغ Linjia Zhang وزملاؤه على 616 طالباً في الصف السابع (الأول المتوسط لدينا) أن الضغط الأكاديمي الذي يدركه الطلاب من والديهم ارتبط بارتفاع التكلفة النفسية والاحتراق المدرسي، وهكذا فإن الانتقال من تشجيع «التعلّم» الطبيعي إلى الضغط من أجل النتيجة يغير البيئة النفسية التي يحدث فيها التعلّم فتتشوّه ثقافة التعلّم لديه فبدلاً من أن ينظر إلى المدرسة والفصل والكتاب المدرسي وكل أنشطة التعليم أنها وسائل للتعلّم والفهم واللذان هما جزء من كيان أي إنسان ومطلب فطري، حيث تتناسق متطلبات التعلّم مع هذه الحاجة الطبيعية، فإنه ينظر إليها أنها وسائل للحصول على شيء مادي ووسيلة تنافس اجتماعي لا أكثر، وهذا ما يجعل المدرسة والتعليم لدى كثيرين محطة غير محببة جداً، وعندما يتم قمع «التعلّم» الطبيعي الفطري ويصبح التعليم أسلوباً آلياً ووظيفة يؤديها الطالب كل يوم فإن مستوى التحصيل والإبداع ينخفض كثيراً، ولا ننسى أن هناك بعض المعلمين يقعون في نفس المطب، حيث يحرصون مبكراً على تهيئة الطلاب لفكرة أهمية الاختبار ومصيريته، وهو ما يؤدي أيضاً لنفس النتيجة: بيئة صف تنافسية لا «تعلّمية».
هذه المشكلة لا تعالج بلوائح أو تنظيمات للاختبارات، بل تحتاج إلى توعية الأسرة (وكذلك للمعلمين) ليستوعبوا جميعاً أن سنوات الطالب الأولى يجب أن تكرس لتقدير العلم والتعلّم لا للتنافس، وأنه لو نجح أحد في تدريبه على فكرة تنافسية الاختبار، فإنه يدربه في الوقت نفسه على أن قيمة التعلّم تقع خارج التعلّم نفسه، وهي أكبر خطيئة تقترف في حق الطالب، بينما في بيئة صحية لا تمارس فيها هذه الممارسات سيكون الطالب متعلماً باحثاً عن المعرفة ومتحفزاً لها بحوافز داخلية فطرية طبيعية، وهنا يمكنك أن تتصور إلى أي درجة يمكن لهذا الأسلوب أن يرتقي بالطالب وكيف سيؤسسه علمياً وإلى أي مستوى سيصل به مستقبلاً.