ماجد البريكان
ليس من السهل أن يعيش الشاعر في ذاكرة الناس بعد أن تهدأ الضجة الإعلامية، وتتبدل الأذواق، وتتغير الأجيال. فالساحة الأدبية، كما الحياة، لا ترحم؛ ترفع أسماء بسرعة، ثم تنساها بسرعة أكبر. لكن هناك قلة استطاعت أن تكسر هذه القاعدة، لأن ما قدمته لم يكن مرتبطاً بمرحلة، بل أصبح جزءاً من الذاكرة الثقافية. ومن هؤلاء الأمير الشاعر الدكتور سعود بن عبدالله.
في زمن أصبحت فيه القصيدة تُكتب على عجل، وتُستهلك عبر منصات التواصل خلال ساعات، تبدو تجربة سعود بن عبدالله مختلفة تماماً. فهو من جيل كان يؤمن أن القصيدة ليست كلمات موزونة فحسب، وإنما موقف، وذائقة، ومسؤولية. لذلك لم يكن غزير الإنتاج بقدر ما كان حريصاً على جودة ما يكتب، وهي فلسفة لا تزال تمنح أعماله القدرة على البقاء.
سر نجاحه لم يكن في اسمه، ولا في مكانته الاجتماعية، فالساحة الأدبية لا تمنح الخلود بالمكانة، وإنما بالنص. والدليل أن عشرات الشعراء ظهروا واختفوا، بينما بقيت قصائده تُغنى، وتُستعاد، ويبحث عنها الجيل الجديد كما بحث عنها الجيل الذي سبقه.
كان يدرك أن الشعر الحقيقي لا يرفع صوته، بل يرفع قيمته. ولهذا لم يدخل في منافسات إعلامية، ولم يصنع حول نفسه ضجيجاً، بل ترك القصيدة تقوم بالمهمة. وهذه ربما من أهم الصفات التي يفتقدها كثير من شعراء اليوم، الذين أصبحوا أشهر من قصائدهم.
الأغنية السعودية مدينة لهذا الرجل بأكثر مما يظن البعض. فقد كتب لكبار الفنانين، وأسهم في صناعة مرحلة ذهبية من الأغنية الخليجية، حين كانت الكلمة هي البطل الأول، قبل أن تتحول في كثير من الأحيان إلى مجرد إيقاع سريع أو عبارة عابرة. كان يؤمن أن الأغنية تبدأ من القصيدة، فإذا ضعفت الكلمة، ضعف كل ما بعدها.
وليس من المصادفة أن تجد أعماله ما زالت حاضرة بعد عقود. فالأعمال التي تُبنى على الصدق لا تسقط بالتقادم، بينما تلك التي تُصنع وفق الموضة تموت بانتهاء موسمها. وهذا الفارق بين الشاعر الذي يكتب ليعيش نصه، وآخر يكتب ليعيش هو لحظة الشهرة.
أما في الشعر الوطني، فقد كان حضوره امتداداً لمدرسته الأدبية؛ بعيداً عن المبالغات، قريباً من وجدان الناس. كتب للوطن لأنه يؤمن به، لا لأنه يبحث عن التصفيق. والفرق كبير بين من يجعل الوطنية شعاراً مؤقتاً، ومن يجعلها جزءاً من تكوينه الفكري والثقافي.
وربما أكثر ما يلفت في شخصية سعود بن عبدالله هو جمعه بين الثقافة الأكاديمية والإبداع الأدبي. فالشاعر لا يعيش على الموهبة وحدها، وإنما تحتاج الموهبة إلى عقل ينظمها، وإلى ثقافة تمنحها عمقاً. وهذا ما انعكس على نصوصه، التي جاءت متوازنة، بعيدة عن المبالغة، وقريبة من الإنسان.
اليوم، وبعد مرور سنوات طويلة على انطلاقته، لا يزال اسمه يُذكر باحترام داخل الوسط الأدبي والفني. وهذا في حد ذاته إنجاز؛ لأن الزمن هو الناقد الأكثر عدلاً. قد يجامل الناس اليوم، لكن السنوات لا تجامل أحداً. وما بقي من شعر سعود بن عبدالله هو ما اختاره الزمن، لا ما اختاره الإعلام.
المشهد الثقافي السعودي يعيش اليوم نهضة غير مسبوقة، من الأدب إلى الموسيقى، ومن المسرح إلى السينما. وفي مثل هذه اللحظات يصبح من المهم أن نتذكر الرواد الذين مهدوا الطريق، لأن النهضات لا تبدأ من الصفر، بل تُبنى على تراكم التجارب. وسعود بن عبدالله أحد أولئك الذين أسهموا في تشكيل الذائقة الشعرية والغنائية السعودية الحديثة.
إن تكريم المبدعين في حياتهم ليس ترفاً ثقافياً، بل رسالة حضارية. فالأمم التي تحفظ أسماء شعرائها وكتّابها هي الأمم التي تعرف قيمة القوة الناعمة. والشعر، مهما تغيرت الوسائل، سيبقى أحد أهم وجوه الهوية العربية.
لهذا، فإن الحديث عن الأمير الشاعر الدكتور سعود بن عبدالله ليس احتفاءً بشخص، وإنما احتفاء بتجربة أثبتت أن الكلمة الصادقة أطول عمراً من الضجيج، وأن القصيدة التي تُكتب بإخلاص تستطيع أن تعبر الزمن، وأن تبقى شاهداً على مرحلة، ومرجعاً لذائقة، وذاكرة لوطن.