د. طلال الحربي
ثمة زيارات تُقرأ في نصوص البيانات، وثمة زيارات تُقرأ في لغة الفضاء التاريخي الذي تحدث فيه. زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى باريس في الثالث والعشرين والرابع والعشرين من أغسطس لهذا العام تنتمي إلى النوع الثاني، وهي من تلك المحطات التي لا يكفي لقراءتها أن تتأمل ما وقّع وما أُعلن، بل يستوجب فهمها الكامل أن تعيد رسم المسافة التي قطعتها العلاقة السعودية- الفرنسية من مجرد تبادل مصالح في ظروف متقلبة، إلى شراكة إستراتيجية راسخة تحمل الآن معالم قرن بأكمله.
لم يكن الاستقبال الذي أعده الرئيس إيمانويل ماكرون لضيفه في قصر الإليزيه مجرد بروتوكول دبلوماسي فالعلاقة التي تربط الأمير محمد بن سلمان بماكرون منذ عام 2017 باتت واحدة من العلاقات الشخصية بين قادة العالم التي يلمح إليها المحللون حين يريدون أن يفسروا لماذا تتجاوز بعض الشراكات حدود حساب المصالح الآني؟ فور وصول سمو ولي العهد إلى قصر الإليزيه، كان في استقباله فخامة الرئيس الفرنسي شخصيًا، إلى جانب أصحاب المعالي الوزراء في الحكومة الفرنسية وعدد من كبار المسؤولين، فيما صافح ماكرون أصحاب السمو الأمراء وأصحاب المعالي الوزراء في الوفد السعودي. وما يستوقف المراقب في هذا المشهد ليس حرارة الاستقبال وحدها، بل دلالتها في ضوء ما وصفته الرئاسة الفرنسية بأن الزيارة تنطوي على رمزية كبرى، كونها الزيارة الخارجية الأولى منذ أشهر لولي العهد السعودي، وهو توصيف يُشير إلى أن باريس كانت تُدرك أنها لن تكون محطة في جولة، بل هي الوجهة التي اختارها ولي العهد لأول تحرك خارجي له في مرحلة بالغة الحساسية الإقليمية والدولية.
لا يمكن فهم هذه الزيارة بمعزل عن حقيقة أن الوفد المرافق لسمو ولي العهد كان في حد ذاته رسالة وهي إشارة إلى أن المقصود بناء مسارات تنفيذ لا تبادل رسائل سياسية فقط. في السياسة الدولية، حجم الوفد المرافق لسمو ولي العهد مرآة دقيقة لطبيعة المواضيع المُراد تناولها ومستوى الجدية في إنجازها ذلك يعني أن الزيارة لا تدور حول موقف سياسي واحد، بل حول مشروع حضاري متكامل يمس كل مفاصل الدولتين.
في ختام اجتماع مجلس الشراكة الإستراتيجي السعودي- الفرنسي في دورته الأولى، شهد البلدان تبادل عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بلغ واحدًا وعشرين اتفاقية. هذا الرقم الذي لا يمكن أن يمر مرور الكرام، فهو ينطوي على قدر عميق من الدلالة. فحين تتوافق إرادتان سياديتان على توقيع واحد وعشرين وثيقة في يومين، فإن المعنى الحقيقي لذلك هو أن العلاقة علاقة مؤسسية. وقد شملت القطاعات المُتناولة في الاتفاقيات مجالات النقل والطاقة والصحة، إلى جانب التكنولوجيا والثقافة، في حزمة تعكس اقتناعًا مشتركًا بأن الشراكة الحقيقية ليست تلك التي تقتصر على صفقة أسلحة أو عقد نفطي، بل تلك التي تنسج تداخل البنى.
كما تم الإعلان عن إنشاء مركز ثقافي سعودي في العاصمة الفرنسية باريس الذي أعلنت عنه وزارة الثقافة فباريس ليست عاصمة فرنسا وحسب؛ إنها العاصمة الثقافية غير المُتوّجة للعالم الغربي، وهي المدينة التي تقيم فيها اليونيسكو ومركز بومبيدو واللوفر وتوجد فيها أكثر من مئة وخمسين سفارة وممثلية دولية وعشرات المراكز الثقافية لأمم الأرض. حين تقرر المملكة العربية السعودية أن تُقيم حضورًا ثقافيًا دائمًا في قلب باريس، فإنها تقول للعالم نحن هنا، لسنا ضيوفًا عابرين، ولدينا ما نقوله لهذه الحضارة وما نضيفه إلى حوارها الكبير.
وسيُشكّل المركز منصة للتعريف بالثقافة السعودية وإبراز عمقها التاريخي وتنوعها الإبداعي، من خلال تنظيم البرامج الثقافية النوعية، وإشراك المجتمع والمؤسسات والجمهور الفرنسي في مبادراته، وهو توصيف لا يقترح ظهورًا احتفاليًا موسميًا، بل يرسم معالم انخراط حضاري مديد. فالعلاقة الثقافية السعودية - الفرنسية لها جذور عميقة؛ إذ استضاف متحف اللوفر عام 2010 معرض «روائع آثار المملكة عبر العصور»، وسبق ذلك معرض «المملكة بين الأمس واليوم» في باريس عام 1986، فيما استضاف مقر اليونيسكو في باريس فعاليات الأيام الثقافية السعودية عام 2012. المركز الجديد هو إذن نضج لإرث تراكم عبر عقود، وتحوّل من الحضور الموسمي إلى المؤسسة الراسخة.
والعُلا في هذا السياق الثقافي لها مكانة محورية لا يمكن تجاهلها. أكد الجانبان أهمية تعاونهما الاستثنائي في العُلا في إطار رؤية المملكة 2030، خاصة في مجالات الآثار والتراث والثقافة، وقرر الجانبان تمديد الشراكة السعودية - الفرنسية بشأن العُلا حتى عام 2035 في إطار متطور يعكس متانة التعاون بين البلدين. فالمشروع لا يقتصر على تطوير موقع تاريخي، وإنما يقوم على بناء وجهة عالمية تستند إلى الهوية المحلية وتستفيد من الخبرة الدولية، وهذا النوع من التعاون ينسجم مباشرة مع أهداف رؤية السعودية 2030 في تحويل الثقافة والسياحة والترفيه إلى مكونات فاعلة في الاقتصاد.
أما على الصعيد الاقتصادي فإن الأرقام تروي حكاية يصعب مجاراتها بالخطاب. بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 11.79 مليار دولار في 2025، فيما ارتفع رصيد الاستثمارات الفرنسية المباشرة في السعودية إلى نحو 18.52 مليار دولار في 2024، مقارنةً بنحو 7.49 مليار دولار عام 2015. أي أن الاستثمار الفرنسي في المملكة تضاعف أكثر من مرتين ونصف في أقل من عقد، وهذا ليس مؤشرًا اقتصاديًا وحسب، بل هو في الحقيقة تصويت باليورو على مستقبل يرى فيه القطاع الخاص الفرنسي فرصة لا يريد أن يفوّتها. وفي ختام الاجتماع الأول لمجلس الشراكة الإستراتيجية السعودي - الفرنسي، عقد اجتماع الطاولة المستديرة للاستثمار بمشاركة كبار المسؤولين الحكوميين وقادة الأعمال والرؤساء التنفيذيين لعدد من كبرى الشركات في البلدين، وهو ما يعني أن الحدث الرسمي استُكمل بمسار موازٍ في عالم الأعمال حيث تُترجم التوجهات السياسية إلى عقود وصفقات.
وعلى الصعيد السياسي والإقليمي، كانت الزيارة تحمل أيضًا رسائل جوهرية في ملفات بالغة الدقة. تمحورت المناقشات حول التأزم الإقليمي وإغلاق مضيق هرمز والملف الإسرائيلي - الفلسطيني وحل الدولتين والأوضاع في لبنان وسوريا. هذه الحزمة من الملفات تُوضح أن الرياض وباريس تشتركان في قراءة جيوسياسية للمنطقة، وأن ثمة مقاربة مشتركة تتجه نحو ملامح واضحة. والمملكة دخلت هذه النقاشات من موقع الشريك الذي يملك أوراقًا لا يملكها غيره: نفوذ خليجي وامتداد إسلامي وحيادية تمنحها دورًا لا يمكن لفرنسا وحدها أن تؤديه.
بدأت الزيارة مساء الثالث والعشرين بحضور ولي العهد مع الرئيس ماكرون في ختام كأس العالم للرياضات الإلكترونية، وهو حضور لا يخلو من دلالة. فاختيار لحظة رياضية شبابية عالمية كنقطة افتتاح للزيارة يُرسل إشارة مزدوجة: إلى العالم بأن قيادة سعودية شابة تتعاطى مع ثقافة الجيل الجديد بجدية واهتمام، وإلى الداخل الفرنسي بأن الضيف السعودي ليس ضيف طاولات المفاوضات المغلقة وحسب، بل شريك في المشهد الثقافي الشعبي الحديث.
في القراءة التاريخية لهذه الزيارة، ثمة مفارقة جديرة بالتأمل. كانت فرنسا في مراحل تاريخية مختلفة تنظر إلى الجزيرة العربية بعين المستكشف والباحث والمستعمر المُحتمل في المناطق المحيطة، وكانت ثروة النفط في القرن العشرين قد أعادت رسم طبيعة العلاقة لتصبح علاقة بلغة الشراكة. أما اليوم فإن المشهد تحوّل تحولًا بنيويًا: المملكة العربية السعودية تجلس في قصر الإليزيه لا بوصفها موردًا لثروة طبيعية، بل بوصفها اقتصادًا ناشئًا متنوعًا، ومشروعًا حضاريًا له طموحات وأجندة ثقافية، وصوتًا سياسيًا إقليميًا يصعب تجاوزه في أي ترتيب للمنطقة. هذا التحول هو الذي يفسر لماذا انتقلت العلاقة إلى مجلس شراكة إستراتيجية مؤسسي يجمع وزراء القطاعين وقادة الأعمال ومؤسسات الثقافة في آن واحد.
وحين يُنشئ بلد ذو تاريخ حضاري مركزًا ثقافيًا في عاصمة الأنوار، فإنه لا يقدّم نفسه كما يُقدّمه المستجد الباحث عن اعتراف؛ بل يحضر بثقة من يعرف أن ما يحمله يستحق الحضور. المملكة مهد الإسلام وحضنت الحرمين الشريفين وحفظت في صخرها الحِجري آثار حضارات ما قبل التاريخ، لا تحتاج إلى شهادة الغرب لتؤكد عراقتها. لكنها اليوم، وبقيادة ولي عهد يؤمن بأن القوة الناعمة أدوم أثرًا من صلابة الصواريخ، تختار أن تُقدّم هذا الإرث في قالب معاصر ديناميكي يتحاور مع الآخر بدلًا من أن يتحصَّن منه.
هذه الزيارة، في مجملها وفي تفاصيلها، ليست حدثًا دبلوماسيًا عاديا في تقويم السياسة الخارجية؛ إنها لحظة تؤشّر على أن السعودية التي نعرفها اليوم تختلف اختلافًا نوعيًا عن السعودية التي كنا نتحدث عنها قبل عقود، وأن الطريق من الرياض إلى باريس لم يعد طريق واحدًا، بل أصبح طريق الفكر والإبداع والإستراتيجية والحضارة.