صالح الشادي
شهدتْ الأيام القليلة الماضية في باريس محطة فارقة في مسار العلاقات الفرنسية - السعودية، مجسدة عمق التحول الإستراتيجي الذي طبعها، ومؤكدة المكانة الخاصة التي يحتلها الرئيس إيمانويل ماكرون لدى القيادة في الرياض، والتي تقابلها نظرة تقدير عميقة لرؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان وطموحه السياسي والإصلاحي. فما كان تقارباً دبلوماسياً تقليدياً، تحول إلى شراكة متجذرة، توجت قبل أيام بزيارة ولي العهد، التي حملت في طياتها رسائل سياسية واقتصادية بالغة الأهمية، عكست نشاطاً دبلوماسياً مكثفاً وحضوراً دولياً متصاعداً لسموه - حفظه الله.
استهل ولي العهد زيارته التي استمرت يومين بدعوة رسمية من الرئيس ماكرون، بحضور الحفل الختامي لكأس العالم للرياضات الإلكترونية، في لفتة حملت دلالات رمزية عميقة، إذ جاءت البطولة التي نظمت خارج السعودية لأول مرة، لتجسد التقارب الثقافي والاهتمامات المشتركة، وتؤكد على الطابع الاستثنائي للعلاقة التي تجمع الرجلين، وتعكس الجهود الكبيرة التي يقودها ولي العهد في تنويع الاقتصاد الوطني وترسيخ مكانة المملكة كوجهة عالمية للرياضة والترفيه، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية 2030 التي يشرف عليها بنفسه.
لكن الجوهر الحقيقي للزيارة تجسد في اليوم التالي، حيث ترأس الزعيمان في قصر الإليزيه الاجتماع الأول لمجلس الشراكة الإستراتيجية، الذي تم تدشينه في أعقاب زيارة ماكرون إلى الرياض في ديسمبر الماضي. وقد أسفر ذلك الاجتماع الذي عُقد قبل أيام عن حزمة ضخمة من الاتفاقيات، تجاوزت اثنتين وعشرين اتفاقية ومذكرة تفاهم، غطت قطاعات حيوية متعددة، في مقدمتها الدفاع، والذكاء الاصطناعي، والطاقة، والاستثمار، والثقافة، وهو ما يعكس البراغماتية السياسية والحنكة الدبلوماسية التي يتحلَّى بها ولي العهد في فتح آفاق التعاون الدولي وتحقيق المصالح الوطنية العليا.
وفي مقدم هذه الاتفاقيات، برز مشروع ضخم لإنشاء ثلاث مدن ترفيهية بالقرب من باريس باستثمارات سعودية تقدَّر بستة مليارات يورو، من المتوقع أن توفر نحو 22 ألف فرصة عمل. وقد أطلق الرئيس ماكرون على هذا المشروع وصف «الاستثنائي»، معتبراً إياه «وجهة عالمية جديدة»، مثمناً ثقة صندوق الاستثمارات العامة السعودي في المواهب الفرنسية، وهي الثقة التي تعكس نظرة ولي العهد المستقبلية وإستراتيجيته في توظيف الموارد الوطنية لبناء شراكات مؤثرة على المستوى العالمي، وجعل المملكة فاعلاً رئيسياً في الاقتصاد العالمي.
ولم تقتصر الاتفاقيات التي أُبرمت قبل أيام على الترفيه، بل شملت تمديد الشراكة في تطوير منطقة العُلا حتى عام 2035، وتعزيز التعاون الدفاعي، إلى جانب اتفاقيات طموحة في الذكاء الاصطناعي وتقنيات الكم، وعقود كبرى في قطاع النقل، مما يبرز التزام ولي العهد بتطوير البنية التحتية وتحديث القطاعات الحيوية، انسجاماً مع رؤيته الطموحة لاقتصاد متنوع وقائم على المعرفة والابتكار.
وعلى الصعيد السياسي، عكست الزيارة التي اختتمت مؤخراً تقارباً في الرؤى حيال القضايا الإقليمية الملحة، حيث صدر بيان مشترك أعاد التأكيد على الشراكة الإستراتيجية، ودعا إلى حل تفاوضي للأزمة مع إيران، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، كما تضمن مواقف موحدة تجاه القضية الفلسطينية، والدعوة لوقف إطلاق النار في غزة، إضافة إلى مواقف حازمة تجاه لبنان واليمن. وهذه المواقف تعكس الدور المحوري الذي يلعبه ولي العهد في رسم سياسة خارجية متوازنة، تقوم على الحوار والاستقرار، وتعزِّز مكانة المملكة كقوة إقليمية مؤثرة تسعى إلى حلول سلمية للأزمات.إن هذه الزيارة، التي تأتي كأول زيارة رسمية لولي العهد إلى الخارج منذ توقيع اتفاق مكة الدفاعي مع تركيا وباكستان، تحمل دلالة كبرى على المكانة التي تحتلها فرنسا في الإستراتيجية السعودية، وعلى النشاط الدبلوماسي المكثف الذي يضطلع به ولي العهد في تعزيز علاقات المملكة مع كبرى القوى العالمية، بما يخدم أمنها القومي وازدهارها الاقتصادي. فاختيار باريس محطة أولى بعد هذا التحرك الإقليمي المهم، يؤكد عمق الثقة المتبادلة والرغبة الصادقة في ترقية العلاقات إلى مصاف الشراكة الشاملة.
وما ميَّز هذه العلاقة خلال الأيام الماضية هو تجاوزها للأطر الدبلوماسية التقليدية، لتتسم بطابع شخصي وثقة إستراتيجية نادرة، حيث وجد الرئيس ماكرون في ولي العهد قائداً استثنائياً يمتلك رؤية واضحة وإرادة سياسية صلبة، تجلَّت في الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية الجريئة التي شهدتها المملكة، وفي الانفتاح الدولي المدروس الذي يقوده بحنكة سياسية فائقة. هذا النهج مكَّن ولي العهد من بناء جسور تفاهم مع القادة الغربيين، تجلَّت ثمارها قبل أيام في قصر الإليزيه، حيث تحولت الطموحات المشتركة إلى عقود واستثمارات ملموسة، تعزِّز مكانة المملكة كشريك أساسي وموثوق به في عالم يتسم بالتغيرات الجيوسياسية الكبرى، وتؤكد أن ولي العهد يقود السعودية بخطى واثقة نحو مستقبل أكثر ازدهاراً ونفوذاً على الساحة الدولية.