«الجزيرة» - وائل العتيبي:
في جدة، لا تنتمي الذاكرة إلى الماضي وحده؛ فهي تسكن تفاصيل المدينة، وتظهر في عمارتها وأسواقها وأحيائها ووجوه أهلها، وتواصل حضورها حتى في المشهد الحضري الذي يتشكل كل يوم. من هذه الرؤية جاء معرض «جدة.. حاضرها امتداد لماضيها»، الذي أقيم في متاحف دار الفنون الإسلامية بجدة بارك، بالتعاون مع نادي ركائز الفوتوغرافي، تزامنًا مع اليوم العالمي للتصوير في 19 أغسطس.
ودشّن المعرض الأمير عبدالعزيز بن فيصل بن عبدالمجيد آل سعود، متجولًا بين الأعمال المشاركة، ومستمعًا إلى شروحات المصورين والمصورات حول تجاربهم والقراءات التي قدموها للمدينة عبر الصورة.
ولا يقدم المعرض جدة بوصفها موضوعًا للتصوير فحسب، بل يجعل منها سؤالًا بصريًا مفتوحًا: ماذا يبقى من المكان حين تتغير ملامحه؟ وكيف يمكن للصورة أن تحفظ ما تعجز الذاكرة الفردية عن الاحتفاظ به؟ لذلك تتجاوز الأعمال حدود التوثيق المباشر، لتبحث في الصلة بين الإنسان والمكان، وبين أثر الماضي وإيقاع الحاضر.
جدة.. مدينة تكتب تاريخها بالصورة
تستمد التجربة خصوصيتها من جدة ذاتها؛ مدينة ارتبط تكوينها بالبحر والميناء والتجارة والحج وتعدد الثقافات، وتراكمت في نسيجها الحضري طبقات من التاريخ جعلت من «البلد» ذاكرة عمرانية واجتماعية لا تزال حاضرة في الوعي الجمعي.
فالبيوت الحجازية، والرواشين، والأسواق، والأزقة، والممرات القديمة ليست مجرد مفردات معمارية، بل شواهد على أنماط الحياة التي تشكلت في المدينة عبر أزمنة متعاقبة. وفي المقابل، تكشف الامتدادات الحديثة عن جدة أخرى تتسع وتتغير، لتصبح الصورة مساحة يلتقي فيها الزمانان.
من هنا تتخذ الفوتوغرافيا وظيفة ثقافية تتجاوز جمالياتها؛ فهي تمنح التفاصيل العابرة فرصة للبقاء، وتحول المشهد اليومي إلى وثيقة، وتتيح للمدينة أن ترى نفسها من زوايا متعددة.
46 مصورًا.. سرد بصري لمدينة واحدة
يشارك في المعرض 46 مصورًا ومصورة، وفق العدد المعتمد للمعرض، مقدمين قراءات مختلفة لجدة؛ من العمارة إلى الإنسان، ومن الأسواق والأحياء القديمة إلى المشهد الحضري الحديث، ومن التفاصيل الصغيرة التي قد تمر بها العين سريعًا إلى المشاهد التي تختزل تحولات المدينة الكبرى.
ويشير الفنان الفوتوغرافي طارق خوجة إلى أن الأعمال المشاركة لا تتوقف عند التقاط الصورة، وإنما تسعى إلى الاحتفاظ بجانب من روح جدة؛ فكل صورة تحمل أثر زمن، وكل زاوية يمكن أن تفتح بابًا على حكاية، فيما يؤكد مجموع الأعمال أن حاضر المدينة، مهما اتسعت تحوّلاته، لا ينفصل عن ذاكرتها.
ويضيف خوجة أن تنوع التجارب يمنح المعرض قيمة خاصة، إذ تتحول جدة من موضوع واحد إلى مجموعة من الرؤى التي تكشف ثراءها البصري والإنساني.
ومن بين المشاركين الفنان الفوتوغرافي علي سليمان، الذي قدم مجموعة من أعماله واختير أحدها للعرض، معبرًا عن سعادته بالمشاركة في تجربة جماعية جمعت عددًا من المصورين، ولافتًا إلى الحضور الذي شهده المعرض من الفنانين ومحبي التصوير.
أما الفنانة الفوتوغرافية سميرة الأهدل، فاختارت مشهدًا شديد البساطة من منطقة البلد؛ صورة لرجل يبيع المسواك.
لكن هذا المشهد، في قراءتها، يتجاوز مهنة الرجل إلى ما هو أبعد منها؛ فبائع المسواك يصبح جزءًا من إيقاع المكان، وتصبح البضاعة الخشبية الصغيرة مدخلًا إلى استحضار سوق قديم، وحركة المارة، وملامح الحياة اليومية التي تمنح جدة التاريخية روحها الإنسانية.
وتقول الأهدل: إن الصورة لا تحكي قصة رجل يبيع المسواك فحسب، وإنما تستعيد روح شارع ما زالت تفاصيله البسيطة تقاوم النسيان.
أنس صيرفي.. العمران بوصفه ذاكرة
ويتقاطع حضور المهندس أنس بن محمد صالح حمزة صيرفي مع جوهر التجربة من زاوية تتصل بالعمران والثقافة والتراث؛ فاهتمامه بالمجال الهندسي والعمراني، إلى جانب حضوره في العمل الثقافي والمؤسسي والمجتمعي، يضعه أمام السؤال ذاته الذي تطرحه الصور: كيف تتقدم المدينة دون أن تفقد ما يمنحها خصوصيتها؟
فالعمران ليس جدرانًا وشوارع فحسب، بل سجل للحياة وتحولاتها؛ وكل مبنى يحمل أثر زمنه، وكل حي يعكس شيئًا من طبيعة المجتمع الذي نشأ فيه. وعندما تلتقط الكاميرا هذه العناصر، فإنها لا تحفظ شكل المكان وحده، وإنما تحفظ جانبًا من العلاقة التي نشأت بين الإنسان وبيئته.
وفي جدة تحديدًا، تبدو هذه العلاقة أكثر وضوحًا؛ إذ تتجاور طبقات عمرانية مختلفة، من البيوت التاريخية والرواشين إلى المباني والفضاءات الحديثة، بما يجعل المدينة نموذجًا حيًا للتفاعل بين الموروث والتحول.
وهنا يصبح التصوير شريكًا في قراءة العمران؛ فالمبنى يحفظ ذاكرة الزمن في مادته، بينما تحفظ الصورة أثره في الوعي، وتمنح التفاصيل التي قد تختفي بفعل التحولات فرصة أخرى للحضور.
«ركائز».. الصورة من الهواية إلى الممارسة الثقافية
ويأتي المعرض ضمن جهود نادي ركائز الفوتوغرافي في دعم المصورين والمصورات، وتطوير قدراتهم، وتوفير مساحة للتجربة والعرض، بما يسهم في بناء مجتمع أكثر تفاعلًا مع التصوير بوصفه أحد الفنون البصرية.
ويعمل النادي، بإشراف طارق خوجة وهناء تركستاني وتركي الجدعاني، على تفعيل برامجه وأنشطته وتنظيم المعارض والفعاليات التي تتيح للمصورين مشاركة تجاربهم، وتوسيع حضور التصوير في المشهد الثقافي.
ومن هذه الزاوية، يمثل المعرض أكثر من مناسبة للاحتفاء باليوم العالمي للتصوير؛ فهو تجربة جماعية تجعل من الصورة وسيلة للتواصل مع المدينة، وتمنح الموهبة المحلية مجالًا للظهور، وتدفع بالمشهد الفوتوغرافي إلى مساحة أوسع من الممارسة الفردية.
حين تصبح الصورة ذاكرة للمستقبل
في نهاية المطاف، لا يقدم معرض «جدة.. حاضرها امتداد لماضيها» صورًا متجاورة لمدينة واحدة بقدر ما يقدم سردية بصرية متعددة الأصوات.
فمن بيت نصيف والرواشين، إلى الأسواق القديمة وبائع المسواك، ومن ملامح «البلد» إلى العمران الحديث، تتشكل جدة أمام العين بوصفها مدينة لا تتعامل مع ماضيها باعتباره زمنًا منقضيًا، ولا مع حاضرها باعتباره قطيعة؛ بل تعيد صياغة الاثنين داخل هوية متحركة.
ولهذا تبدو العدسات الـ46 أكثر من رقم؛ إنها 46 زاوية للنظر، و46 قراءة لمدينة واحدة، و46 محاولة للإجابة عن سؤال لا ينتهي: ما الذي يستحق أن يبقى من جدة حين تتغير جدة؟
والجواب الذي تقترحه الصورة بسيط وعميق في آن: أن ذاكرة المدينة لا تحفظها المباني وحدها، ولا تستودعها الكتب وحدها؛ أحيانًا تكفي صورة صادقة كي يظل المكان حاضرًا، حتى بعد أن يتغير وجهه.
فجدة تتجدد، لكن ذاكرتها لا تغيب؛ إنها تنتقل من جيل إلى آخر، ومن مكان إلى صورة، ومن الصورة إلى ذاكرة المستقبل.