د.عبدالله الفايز
من أكثر الملاحظات إيلامًا عند متابعة الحروب والفتن والصراعات المسلحة في الشرق الأوسط أن الإنسان العربي ومع الأسف أصبح هو من يحارب ويرهب ويفتن ويفرق، العرب وكثيرًا ما يظهر في مقدمة المشهد بوصفه المقاتل والضحية واللاجئ، بينما تظهر القوى الإقليمية والدولية التي تمتلك مصالح أو مشاريع سياسية وإستراتيجية وهي تستخدم بصورة متزايدة أطرافًا محلية أو جماعات مسلحة للقيام بجزء كبير من الأعمال القتالية. وهذه الملاحظة تستحق البحث، ليس من منطلق اتهام العرب بأنهم «رخيصون»، وإنما من زاوية أكثر عمقًا: لماذا أصبحت بعض القوى ترى أن القتال بواسطة أبناء المجتمعات المحلية أقل تكلفة سياسيًا وعسكريًا من إرسال مواطنيها إلى ساحات القتال؟ وهل أصبح المقاتل العربي، في بعض الصراعات، أداة يمكن استقطابها بالمال أو العقيدة أو الحاجة أو الانتقام أو الانتماء الطائفي، بينما تحرص الدولة الراعية على إبقاء مواطنيها بعيدًا عن الخطوط الأمامية؟ ولماذا لم نسمع أن إيران أو إسرائيل أو غيرهما من الدول وظفت أبناؤها في داعش أو حزب الله أو اليمن. هذه الظاهرة ليست جديدة، ولكنها توسعت في الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة حتى أصبح مفهوم حروب الوكالة أو Proxy Warfare أحد أهم مفاتيح فهم الصراعات الإقليمية. والفكرة الأساسية في حرب الوكالة هي أن دولة أو قوة إقليمية لا تخوض المواجهة دائمًا بصورة مباشرة، وإنما تدعم جماعة مسلحة أو قوة محلية من أبناء العرب وليس أبناؤهم، مثل حزب الله والحوثيين والقاعدة وداعش، بالمال والسلاح والتدريب والمعلومات والاستخبارات، وتترك لها مساحة من القتال على الأرض. وتوفر هذه الطريقة للدولة الراعية ميزة مهمة: القدرة على ممارسة النفوذ وإضعاف الخصم دون تحمل كامل التكلفة السياسية والبشرية للحرب المباشرة. وتشير دراسات متخصصة إلى أن استخدام القوى غير الحكومية والمقاتلين بالوكالة أصبح وسيلة مهمة لإسقاط القوة في الشرق الأوسط، لأنه يقلل الخسائر الرسمية للدولة الراعية ويوسع مجال نفوذها خارج حدودها. وبذلك فإن إيران لا تقاتل بأبنائها، وإنما بنت نموذجًا أمنيًا يعتمد بدرجة كبيرة على توسيع دائرة القتال خارج الأراضي الإيرانية من خلال شركاء وحلفاء وجماعات مسلحة محلية وأجنبية، مع الاحتفاظ بإمكانية التدخل المباشر عند الحاجة. وهذا الفارق مهم جدًا. فإيران لا تتعامل مع كل الجماعات بالطريقة نفسها. حزب الله، مثلًا، يمثل حاة أكثر عمقًا من مجرد مجموعة جرى «شراؤها»؛ فهو حليف أيديولوجي وعسكري وثيق لإيران، ويتمتع بقدرة ذاتية على اتخاذ بعض القرارات وله مصالحه اللبنانية الخاصة. أما الحوثيون في اليمن، فالعلاقة معهم أكثر تعقيدًا، إذ تصف بعض الدراسات الجماعة بأنها شريك غير رسمي لإيران أكثر من كونها مجرد «وكيل» يخضع بالكامل لأوامر طهران. وتؤكد مصادر متخصصة أن إيران قدمت للحوثيين أسلحة وتدريبًا ومعلومات استخباراتية، وساعدتهم على تطوير قدراتهم الصاروخية والطائرات المسيّرة، لكنها لم تنشئ الحركة من الأساس، كما أن للحوثيين أجندتهم المحلية الخاصة.
وهذا يقودنا إلى جوهر المسألة: لماذا تستخدم الدول الوكلاء؟ أول الأسباب هو تقليل التكلفة البشرية والسياسية. عندما يموت جندي رسمي تابع للدولة، فإن موته يصبح خسارة وطنية مباشرة، وتظهر الأسئلة في المجتمع والإعلام والبرلمان، وقد يتحول إلى ضغط سياسي على القيادة. أما عندما يموت مقاتل تابع لجماعة محلية حليفة، فإن التكلفة السياسية المباشرة على الدولة الراعية غالبًا تكون أقل. وهذا أحد الأسباب التي تجعل حروب الوكالة جذابة للقوى التي تريد التأثير دون الدخول في حرب مباشرة مفتوحة. وتوضح الأدبيات المتعلقة باستخدام المقاتلين بالوكالة والمرتزقة أن إحدى مزايا هذا النموذج هي تقليل الخسائر الرسمية للدولة التي تستخدمهم، مع توسيع قدرتها على إسقاط القوة خارج حدودها. والسبب الثاني هو الإنكار أو الغموض السياسي. عندما تنفذ جماعة محلية هجومًا، فإن الدولة الراعية تستطيع في بعض الحالات أن تنفي مسؤوليتها المباشرة أو أن تقول إن الجماعة اتخذت القرار بنفسها. وهذه المساحة من الغموض تمنح الدولة مجالًا للمناورة، وتقلل احتمالية تحول العمليات إلى مواجهة مباشرة. وقد أشارت دراسات عديدة إلى أن الشبكة الإيرانية من الجماعات المسلحة توفر لطهران قدرًا من «الإنكار المقبول» أو plausible deniability، مع اختلاف درجة السيطرة من جماعة إلى أخرى.
أما السبب الثالث فهو أن المقاتل المحلي يعرف بيئته أكثر من الجندي الأجنبي. فالجندي القادم من دولة أخرى يحتاج إلى معلومات عن الجغرافيا والمجتمع والقبائل والحدود واللغة والعلاقات المحلية، بينما تكون الجماعة المحلية موجودة في المنطقة أصلًا. ولذلك قد تكون قدرتها على العمل داخل البيئة المحلية أكبر بكثير. كما أن الجماعات المحلية تستطيع تقديم الحرب على أنها قضية داخلية أو مقاومة أو دفاع عن طائفة أو جماعة أو منطقة، الأمر الذي يجعل تعبئة المقاتلين أكثر سهولة من تعبئة جنود دولة أجنبية. وهنا تأتي مسألة المال، وهي مهمة ولكنها ليست العامل الوحيد. نعم، بعض الجماعات تستقطب مقاتلين بسبب المال، وخاصة في الدول الفقيرة أو المنهارة اقتصاديًا، حيث قد يصبح القتال وظيفة أو مصدر دخل للأسرة. لكن من الخطأ تفسير جميع المقاتلين بأنهم «مرتزقة». هناك من يقاتل بدافع ديني أو أيديولوجي، وهناك من يقاتل بسبب الانتقام، وهناك من يدافع عن منطقته، وهناك من ينضم بسبب ضغط اجتماعي أو قبلي، وهناك من يجد نفسه داخل الجماعة بسبب غياب الدولة. وفي حالات أخرى يجتمع المال والعقيدة والحاجة في الوقت نفسه.
ولذلك فإن السؤال الأكثر دقة ليس: «هل العرب رخيصون؟»، وإنما: هل أنتجت الحروب العربية المتكررة والبطالة والفقر والانهيار المؤسسي والفراغ الأمني بيئة تجعل تجنيد الإنسان العربي أسهل وأقل تكلفة بالنسبة للقوى المتنافسة؟ وهذه صياغة أكثر قسوة ولكنها أقرب إلى التحليل الموضوعي. فكلما ضعفت الدولة المحلية، وكلما انهارت مؤسساتها، وكلما ارتفعت البطالة والفقر والانقسامات الطائفية والمناطقية، أصبح من الأسهل على القوى الخارجية بناء جماعات مسلحة تعتمد عليها. وهذا يفسر جزئيًا لماذا أصبحت بعض الدول العربية ساحات لتنافس قوى غير عربية.
ففي العراق، على سبيل المثال، دعمت إيران جماعات شيعية مسلحة متعددة، وبعض هذه الجماعات تحول إلى قوى سياسية وعسكرية مؤثرة داخل الدولة العراقية نفسها. وتوضح تقارير حديثة أن مجموعات مسلحة مدعومة من إيران تمتلك نفوذًا عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا واسعًا، وبعضها أصبح جزءًا من المشهد السياسي والمؤسساتي العراقي. وفي سوريا، دعمت إيران النظام السابق وشاركت في الحرب بصورة مباشرة وغير مباشرة، واستعانت بشبكات متعددة من المقاتلين الأجانب والمحليين.
وفي لبنان، أصبح حزب الله نموذجًا فريدًا لجماعة مسلحة ارتبطت بإيران وفي الوقت نفسه أصبحت قوة سياسية واجتماعية وعسكرية داخل الدولة اللبنانية. وفي اليمن، حصل الحوثيون على دعم إيراني مكّنهم من تطوير قدرات عسكرية متقدمة، خصوصًا الصواريخ والطائرات المسيّرة.
لكن الظاهرة ليست إيرانية وحدها، وهذه نقطة أساسية حتى لا يتحول التحليل إلى اتهام لطرف واحد. فقد استخدمت قوى إقليمية ودولية مختلفة الميليشيات أو القوات المحلية أو المرتزقة أو الشركاء المسلحين بدرجات مختلفة. وتشير دراسات عن المرتزقة في الشرق الأوسط إلى استخدام دول خليجية وتركيا وروسيا وغيرها لهذه الأدوات في صراعات خارج حدودها. كما أن القوى الغربية نفسها استخدمت تاريخيًا قوات محلية وشركاء عسكريين وقوات خاصة ومتعاقدين ووسائل مختلفة لتقليل الحاجة إلى انتشار واسع لقواتها النظامية. وبالتالي فإن حرب الوكالة ليست ظاهرة شرقية أو عربية حصرًا، وإنما هي أداة إستراتيجية تستخدمها قوى مختلفة عندما تكون لها مصلحة في تقليل تكلفة التدخل المباشر. في الوقت الذي تقوم إسرائيل بتوظيف مهاجريها في جيشها النظامي والاحتياطي وبعضهم عرب، ولكنها تمول بعض الفصائل العربية. وكذلك الوضع للدول الغربية. وفي الوقت نفسه توجد أشكال مختلفة من التعاون الأمني والشراكات والدعم الخارجي والتنسيق مع أطراف أخرى.
وتتضح أهمية هذا الفرق إذا نظرنا إلى مفهوم «تكلفة الحرب». الدولة التي تحارب بجنودها تدفع ثلاثة أثمان بصورة مباشرة: ثمن الأرواح، وثمن المال، وثمن الشرعية السياسية. أما الدولة التي تستخدم قوة بالوكالة فتدفع المال والسلاح والتدريب والدعم، لكنها تستطيع في بعض الظروف إخفاء جزء من التكلفة البشرية والسياسية. ولذلك فإن الحرب بالوكالة يمكن أن تكون، من منظور الدولة الراعية، أرخص من الحرب المباشرة حتى لو كانت نتائجها أكثر تدميرًا للشعوب التي تقع على أرضها. وهنا تكمن المأساة الأكبر في الشرق الأوسط: الأرض عربية، والمقاتلون في كثير من الحالات عرب، والضحايا عرب، والبنية التحتية المدمرة عربية، بينما تكون بعض الأطراف التي تستفيد من الصراع خارج حدود الدولة التي تدمرها الحرب. وهذا لا يعني أن الشعوب العربية لا تملك إرادة سياسية أو أن كل مقاتل عربي يعمل لحساب أجنبي، وإنما يعني أن البيئة الإقليمية سمحت في كثير من الحالات للقوى الخارجية باستثمار الانقسامات المحلية وتحويلها إلى أدوات في صراعات أكبر. والأخطر من ذلك أن بعض الجماعات قد تبدأ كحركة محلية ذات قضية حقيقية، ثم تتحول تدريجيًا إلى جزء من منظومة إقليمية. وهنا تتغير وظيفة الجماعة: من الدفاع عن مطلب محلي إلى خدمة شبكة مصالح أوسع. وفي بعض الحالات تصبح الجماعة مرتبطة بالتمويل والسلاح والتدريب إلى درجة تجعل انفصالها عن الراعي الخارجي صعبًا. وفي حالات أخرى تحتفظ باستقلالية كبيرة وتستخدم الدعم الخارجي لخدمة أجندتها الخاصة. لذلك لا بد من دراسة كل جماعة على حدة، وعدم وضع حزب الله والحوثيين والميليشيات العراقية والجماعات السورية وغيرها في سلة واحدة.
ومن المثير للاهتمام أن نموذج إيران نفسه يؤكد هذه النقطة. فقد بنت طهران على مدى عقود ما يمكن وصفه بشبكة متعددة المستويات من الشركاء المسلحين. هذه الشبكة تمنح إيران قدرة على الوصول إلى مسارح جغرافية متعددة، من لبنان والعراق إلى سوريا واليمن وغزة، دون أن تكون كل هذه المسارح جبهة إيرانية مباشرة. وتصف دراسات حديثة هذا النموذج بأنه مزيج من حلفاء ووكلاء وشركاء تختلف درجة ارتباطهم بطهران واستقلالهم عنها. لكن هذا النموذج ليس بلا تكلفة على الدولة الراعية أيضًا. الجماعة التي تحصل على المال والسلاح لا تتحول بالضرورة إلى أداة مطيعة بالكامل. وكلما زادت قوتها واستقلالها المحلي، أصبحت لها مصالحها الخاصة، وقد ترفض في مرحلة معينة تنفيذ ما تريده الدولة الراعية. وهذا أحد أخطر عيوب حرب الوكالة: أن الدولة التي تصنع قوة لمواجهة خصومها قد تكتشف لاحقًا أن هذه القوة أصبحت قادرة على فرض أجندتها هي أيضًا. وقد أشارت الدراسات المتعلقة بالنموذج الإيراني تحديدًا إلى اختلاف درجات الاستقلالية بين الجماعات، وإلى أن بعضها تطور ليصبح شريكًا سياسيًا وعسكريًا له حساباته الخاصة.
وهناك جانب أخلاقي ينبغي ألا يغيب عن هذه القضية. استخدام الإنسان المحلي كأداة في صراع دولي أو إقليمي يعكس اختلالًا عميقًا في مفهوم قيمة الإنسان. فحين تصبح حياة المقاتل المحلي أقل تكلفة سياسية من حياة جندي الدولة الراعية، يتحول الإنسان إلى «وحدة استهلاك عسكري»، وهذا أخطر ما يمكن أن تصل إليه حروب الوكالة. وبالمعنى الأوسع، فإن استمرار هذا النموذج يعني أن الدول الأقوى تستطيع تصدير الصراع إلى المجتمعات الأضعف، بينما تتحمل الشعوب المحلية الجزء الأكبر من الموت والدمار. ولهذا لا أرى أن الإجابة عن السؤال هي أن العربي «رخيص»، وإنما أن بعض البيئات العربية أصبحت رخيصة سياسيًا وعسكريًا في نظر المتنافسين بسبب ضعف الدولة والانقسام والفقر والبطالة وغياب المؤسسات القوية. وهذه نقطة مختلفة تمامًا، وتحملنا نحن العرب مسؤولية أكبر في فهم المشكلة. لأن الدولة القوية والمؤسسات القوية والمجتمع المتماسك والقانون العادل والتعليم والاقتصاد المنتج تقلل قدرة الخارج على شراء الولاءات وتجنيد المقاتلين.
والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه في النهاية ليس لماذا يشتري الآخرون مقاتلين عربًا فقط، وإنما لماذا توجد في بعض المجتمعات العربية ظروف تجعل شراء الإنسان وتجنيده أسهل؟ لماذا يستطيع المال أو الخطاب الطائفي أو الأيديولوجيا أو الحاجة الاقتصادية أن يحول الإنسان إلى أداة في حرب لا تخدم بالضرورة وطنه؟ ولماذا أصبحت بعض الدول العربية ساحات لتصفية حسابات قوى إقليمية ودولية؟ وكيف يمكن للدولة الوطنية أن تستعيد احتكارها الشرعي للسلاح، وأن توفر للشباب فرص العمل والتعليم والمشاركة السياسية حتى لا تصبح الجماعات المسلحة البديل عن الدولة؟ إذا استطعنا الإجابة عن هذه الأسئلة، سنصل إلى جوهر المشكلة. فالمشكلة ليست في الإنسان العربي من حيث طبيعته، وإنما في البيئة السياسية والاقتصادية والمؤسسية التي تسمح بتحويل الإنسان العربي إلى مقاتل في مشروع الآخرين. وإيران ليست الوحيدة التي استفادت من هذا النموذج، وإسرائيل والولايات المتحدة وروسيا وتركيا وقوى إقليمية أخرى استخدمت بدرجات مختلفة أشكالًا من الشراكات المحلية والقوى غير النظامية أو الوكيلة. ولكن إيران طورت نموذجًا إقليميًا واسعًا ومستمرًا من دعم الجماعات المسلحة، وهو ما يجعل تجربتها واحدة من أبرز الحالات التي ينبغي دراستها لفهم حروب الوكالة في الشرق الأوسط. (House of Commons Library).
وفي نهاية المطاف، فإن أكبر خسارة في حروب الوكالة ليست فقط سقوط المقاتلين، وإنما تحول الدول نفسها إلى ساحات صراع، وتحول المواطن إلى أداة، وتحول الخلاف السياسي إلى حرب بالوكالة، وتحول الانتماء الوطني إلى انتماءات عابرة للحدود. وعندما تصل دولة ما إلى مرحلة يصبح فيها بعض أبنائها مستعدين للقتال ضد أبناء وطن آخر من أجل قوة خارجية أو مشروع لا يعرفون حدوده الحقيقية، فإن المشكلة لم تعد عسكرية فقط، وإنما أصبحت أزمة في الدولة والمجتمع والهوية. ولهذا فإن بناء الدول العربية القوية ليس مجرد مشروع اقتصادي أو سياسي، بل هو في جوهره مشروع أمني واستقلالي. الدولة التي توفر التعليم والعمل والعدالة وسيادة القانون والمؤسسات القوية تقلل قدرة القوى الخارجية على شراء أبنائها. والدولة التي تحترم مواطنيها وتحمي حقوقهم تجعل الولاء الوطني أكثر قوة من الولاء للجماعات العابرة للحدود. وفي المقابل، فإن ترك الفقر والبطالة والانقسام والطائفية والانهيار المؤسسي يتوسع يعني ترك الباب مفتوحًا أمام من يملك المال والسلاح والمشروع السياسي لكي يحول شباب المنطقة إلى أدوات في حروبه.
وهنا ربما تكمن المفارقة الأكبر: القوى التي تستخدم أبناء المنطقة في حروبها ليست بالضرورة أكثر قوة من العرب عسكريًا لأنها ترسل مقاتلين أقل، وإنما لأنها نجحت في جعل الآخرين يقاتلون نيابة عنها. وهذه هي القوة الحقيقية لحرب الوكالة. لذلك فإن علاج المشكلة لا يكون فقط بزيادة السلاح، وإنما بإغلاق البيئة التي تجعل الوكالة ممكنة: دولة قوية، مجتمع متماسك، اقتصاد منتج، تعليم جيد، هوية وطنية جامعة، مؤسسات عادلة، ومواطنة تجعل الإنسان يرى مستقبله في دولته لا في جماعة مسلحة أو مشروع خارجي. وهذا، في تقديري، هو السؤال الأخطر الذي يجب أن يواجهه الشرق الأوسط في العقود المقبلة: هل ستستمر المنطقة في إنتاج مقاتلين لحروب الآخرين، أم تستطيع إنتاج دول ومؤسسات تجعل المواطن أغلى من أن يُشترى، وأكرم من أن يُستخدم، وأوعى من أن يتحول إلى أداة في مشروع لا يخدم وطنه؟ وحتى لا تهدر الأموال التي تدفعها الدول العربية منذ 70 عامًا وتذهب للمفسدين وعوائلهم.ِ