دحام الجفران العنزي
حين تتحول الثقافة من قاعات مغلقة إلى فضاء حي مفتوح على الناس، فإنها لاتعود مجرد نشاط ثقافي بل تصبح جزءا من صناعة الحياة نفسها.هذا تحديداً مافعلته ديوانية القلم الذهبي، فقد استطاعت خلال فترة قصيرة نسبياً أن تصنع لنفسها حضوراً لافتاً في المشهد الثقافي والأدبي السعودي وأن تمنح الأدب والمثقفين مساحة مختلفة تجمع بين الحضور والاحتفاء والإنتاج والتفاعل. منذ فبراير 2025 كنت من أوائل الأدباء الذين واكبوا فعاليات الديوانية وحرصت على تجربتها منذ بداياتها وشهدت كيف كانت الفكرة تكبر أسبوعاً بعد آخر. تحاوزت لقاءاتها الأسبوعية خمسين لقاءً تناولت عناوين وقضايا أدبية وثقافية متعددة، وكنت أحد المشاركين في اللقاء الثامن الذي حمل عنوان -مكانة الأدب وتأثيره- وهو عنوان يلخص في جانب منه الرسالة التي حملتها الديوانية منذ انطلاقها، أن الأدب ليس ترفاً هامشياً بل قوة ناعمة قادرة على التأثير في الإنسان والمجتمع. لعل أجمل ما في تجربة القلم الذهبي أنها لم تكتف باستضافة المبدعين والحديث عن الكتابة، وإنما ذهبت في خطوة أبعد فقد ساعدت المؤلفين على الكتابة نفسها فقد خصصت معتزلات للكتابة وفرت فيها للمبدعين البيئة التي تساعدهم على التفرغ والإنتاج، وكانت النتيجة أكثر من ثلاثين عملاً إبداعياً خرجت من تلك المعتزلات بين رواية وقصة ومسرحية وقصص للأطفال وقصص مصورة، وديوان شعر وخواطر وغيرها، وهذا إنجاز مهم لأن الثقافة الحقيقية لا تقاس بعدد الندوات فقط وإنما بما تتركه من أثر وكتب وأفكار ومشاريع ومبدعين. تحولت الديوانية إلى مساحة للاحتفاء بالمؤلفين والمثقفين من خلال حفلات توقيع الكتب التي تقام يوم السبت والتي شهدت توقيع عشرات المؤلفين لإصداراتهم في أجواء احتفالية تجعل الكاتب يشعر بأن جهده لم يذهب سدى، واليوم يجري العمل على إضافة يوم الجمعة نتيجة إقبال المؤلفين ليكون هو الآخر يوماً للاحتفاء بالكتاب وهو ما يعكس حيوية التجربة وقدرتها على التوسع. إذا كانت الأرقام لغة لا تكفي وحدها للحكم على الأثر فإنها في حالة القلم الذهبي تكشف جانباً مهماً من نجاحها فقد كان المستهدف نحو 1500 زائر فإذا بالرقم يتجاوز ثلاثة آلاف ونيف، فيما تضم الديوانية أكثر من ألفي كتاب ورقي ونحو 25000 ألف كتاب إلكتروني وهي أرقام تؤكد أن هناك جمهوراً حقيقياً للثقافة حين تقدم له بطريقة مختلفة، وأن الناس يشعرون بالامتنان حين يجدون أماكن تجعل الكتاب قريا منهم. أرى أن الديوانية تستحق أن تنتقل إلى مرحلة جديدة وأقترح على معالي المستشار تركي آل الشيخ عراب هذه الفكرة وإحدى مبادرات هيئة الترفيه أن تتحول الديوانية إلى مؤسسة أو شركة غير ربحية مع إشراك القطاع الخاص في دعمها وتمويلها حتى لا تبقى التكلفة بالكامل على كاهل وعاتق هيئة الترفيه، فالمشروع أثبت أثره، وأثبت كذلك أن لديه من الحوكمة والتنظيم ما يؤهله لأن يكون مؤسسة ثقافية مستدامة. كما أرى في اقتراح آخر على. أخينا الغالي أبو ناصر أن نجاح التجربة يستحق استنساخها في مدن سعودية أخرى بحيث تصبح هناك دواوين للقلم الذهبي في مختلف مناطق المملكة، لكل مدينة خصوصيتها ومبدعوها وجمهورها ضمن نموذج وطني واحد يفتح أبواب الثقافة أمام الجميع. هنا لابد من تحية صديقي وأخي المسرحي الجميل ياسر مدخلي والذي عرفته لما يقارب عقدين من الزمن شغوفاً بالمسرح ومهموماً بالمشهد الأدبي والثقافي، ويعمل حالياً بجهد كبير على تنفيذ رؤية تركي آل الشيخ في الديوانية لكونه المسؤول عنها ومدير فعالياتها ويحمل تجربة الديوانية بروح شغوفة وإيمان حقيقي بأن الثقافة يمكن أن تكون فعلاً جزءا من صناعة الترفيه والحياة. إذا كانت الديوانية قد صنعت كل هذا خلال عام ونصف من افتتاحها فإن ذلك يؤكد أن حداثة التجربة لم تكن عائقا أمام صناعة الأثر. لقد أصبحت في تقديري بوليفارد المثقفين والأدباء. بوليفارد مصغراً لمثقفي وأدباء الرياض، والمملكة عموماً مكان يشعر فيه الكاتب والأديب بأنه بين أهله. نحن كمثقفين وأدباء نشعر بأن الديوانية بيتنا الثاني، وأنها قدمت لنا نوعاً مختلفاً من الترفيه، ترفيهاً لا يقوم على صخب المشاهدة بل على متعة الحوار والكتاب والفكرة واللقاء. هنا أيضاً سؤال مشروع لمعالي المستشار تركي آل الشيخ لا يزال ينتظر إجابة، أين أصبحت جائزة القلم الذهبي؟ بعد دورتها الأولى لم تعد تصلنا أخبار واضحة عنها! ولا نعرف هل توقف نشاطها أم أنها في طريقها إلى العودة. نحن ككتاب ومثقفين نأمل من أبو ناصر ألا تتوقف وأن تستمر الجائزة وتتطور لأنها تمثل امتداداً مهماً لفكرة الاحتفاء بالمبدعين ودعم صناعة الكتاب وبلسان كثير من زميلاتي وزملائي نرجو أن يطمئننا معاليه عن عودة الجائزة للمشهد. لقد كان تركي آل الشيخ في أكثر من تجربة قادراً على صناعة الفرق، والقلم الذهبي واحد من تلك الأفكار التي تؤكد ذلك، والفكرة الذكية ليست فقط أن تجمع الأدباء في مكان واحوإنما أن تجعل الثقافة نفسها تجربة ممتعة، وأن تمنح الكاتب منصة وجمهوراً وكتاباً جديداً ومساحة للكتابة والاحتفاء. اختيار مكان الديوانية في الحي الدبلوماسي ذكاء آخر ورسائل تستحق التوقف والتأمل وكم أشعر بالفخر حين أرى كثيرا من الدبلوماسيين القاطنين هناك يشيرون إليها بالإعجاب وخاصة من غير العرب.
القلم الذهبي ليست مجرد ديوانية وجائزة إنها فكرة ثقافية عالية الذكاء وبوليفارد للأدباء وبيت ثان للمثقفين، وتجربة تستحق أن تكبر وتنتقل لمدن أخرى والأهم من ذلك أنها أثبتت في زمن قصير أن الأدب حين يجد المكان المناسب والاحتفاء المناسب يستطيع أن يصنع حضوراً يفوق كل التوقعات.