ناصر بن فريوان الشراري
لم يعد الهاتف الذكي مجرد وسيلة للتواصل أو أداة عابرة للترفيه، بل تحوّل إلى حضور طاغٍ يرافق الإنسان في يقظته، ويزاحمه في أسرته، ويقتطع من وقته، حتى بات يشبه في أثره المتنامي «أفيون العصر»، فهذا الجهاز الصغير الذي استقر في كل يد وبيت، لم يكتفِ بتيسير الحياة، بل بدأ يعيد تشكيل عاداتنا وعلاقاتنا وطريقة تفكيرنا، ويقودنا في كثير من الأحيان من حيث لا نشعر.
في البيت الواحد، يجلس الأب إلى جوار زوجته وأبنائه، غير أن كل واحد منهم يعيش في عالم منفصل خلف شاشته الخاصة، تتجاور الأجساد، بينما تتباعد الأرواح، وتبقى الأسرة مجتمعة في المكان، لكنها متفرقة في الاهتمام والشعور. وحين أصبحت المنصات التعليمية، مثل منصة «مدرستي»، جزءاً من متطلبات الحياة الدراسية، امتلك الأطفال شاشاتهم المستقلة، فازدادت مساحة الحضور الرقمي في يومهم، وتراجعت في المقابل فرص الحديث واللعب والتفاعل المباشر.
ولم يعد الأمر مقتصراً على البيوت، فقد امتد إلى المجالس والزيارات والرحلات، ففي مجالس الرجال ولقاءات النساء، بل حتى في لحظات السفر والترحال، يسود أحياناً صمت جماعي غريب، ينشغل فيه الجميع بشاشاتهم، ويمارسون عزلة اختيارية وهم تحت سقف واحد، وهكذا أخذت الأحاديث العفوية تنحسر، وجفّت ينابيع القرب العاطفي، وتوارى دفء اللقاء الإنساني لمصلحة اغتراب رقمي يجعل الإنسان قريباً من البعيد، بعيداً عمن يجلس إلى جواره.
والأخطر من ذلك أن الهاتف لا يسرق الوقت فحسب، بل يستنزف الانتباه أيضاً، فالتنقل المستمر بين المقاطع والتنبيهات والرسائل يضع العقل في حالة من الشد العصبي المتواصل، ويعوّده على المثيرات السريعة والمتلاحقة، ومع مرور الوقت، يصبح الصبر على القراءة أو الحوار أو التأمل أمراً ثقيلاً، ويغدو المحتوى القصير والسريع هو المعيار الذي تقاس به المتعة والمعرفة، عندها تتراجع القدرة على التركيز، ويضعف التمهل، ويصبح العقل أكثر استعداداً لملاحقة الجديد، وأقل قدرة على التعمق فيما هو مهم.
ومن المفارقات اللافتة أن بعض الدول التي ابتكرت هذه التقنيات تدرك حجم تأثيرها في السلوك والبناء الفكري، ولذلك تتعامل معها بحذر داخل حدودها، ويُستشهد في هذا السياق بالنسخة المحلية من تطبيق «تيك توك» في الصين، والمعروفة باسم «دويين» (Douyin)، حيث تُفرض على الأطفال والناشئين قيود زمنية، ويُوجَّه جزء من المحتوى نحو التعليم والعلوم والتاريخ والقيم الوطنية، وفي المقابل، تبدو النسخ المفتوحة المتاحة عالمياً أقرب إلى بئر بلا قرار، إذ تدفع خوارزمياتها المستخدم إلى الانتقال من مقطع إلى آخر في تدفق لا نهائي، مصمم لإبقائه أطول وقت ممكن داخل المنصة.
وليست المشكلة في وجود التقنية ذاتها، فالتقنية أداة يمكن أن تُستخدم في التعليم والعمل والتواصل واكتساب المعرفة، وإنما تكمن في تحوّل الأداة إلى غاية، وفي انتقال الإنسان من مستخدم للتقنية إلى أسير لها، فالخوارزميات لا تسأل دائماً: ما الذي ينفعك؟ بل تسعى، في كثير من الأحيان، إلى معرفة ما الذي يبقيك متصلاً أطول مدة، وبين الحاجة الحقيقية والاستهلاك القهري مسافة قد تضيق تدريجياً حتى لا يعود المرء قادراً على التمييز بين اختياره الحر وما دُفع إليه دفعاً.
إن الإنهاك البصري، وآلام الرقبة والظهر، واضطراب النوم، وتشتت الذهن، ليست أعراضاً هامشية يمكن تجاهلها، بل إشارات إلى كلفة متزايدة يدفعها الإنسان جسداً ونفساً، والأشد خطراً أن الاعتياد على «المادة السريعة» قد يقتل فينا لذة التمهل، ويضعف قدرتنا على الإصغاء، ويجعل أبناءنا أكثر عرضة للقلق والعزلة والفراغ الداخلي، إن ما يُستنزف هنا ليس ساعات عابرة فحسب، بل أغلى ما يملكه المجتمع: العقول والأوقات والأبناء.
ومع ذلك، فإن مواجهة هذه المشكلة لا تعني إعلان الحرب على الهاتف أو رفض التقنية والعودة إلى الماضي، بل تعني استعادة الإنسان سيطرته على أدواته، ويبدأ ذلك بوضع أوقات ومساحات خالية من الشاشات داخل المنزل، كأن تُحظر الهواتف أثناء الطعام، وفي المجالس العائلية، وقبل النوم، كما ينبغي أن تُستعاد قيمة الحوار المباشر، والقراءة، والأنشطة المشتركة، والزيارات، والرحلات التي لا تتحول إلى سباق لتوثيق اللحظة بدلاً من عيشها.
غير أن القواعد وحدها لا تكفي، فالأبناء لا يتأثرون بما نقوله لهم بقدر تأثرهم بما يرونه منا، فإذا كان الوالدان يطالبان أبناءهما بترك الهاتف وهما لا يرفعان أعينهما عن شاشتيهما، فقد سقطت القدوة قبل أن يبدأ التوجيه. أما حين يرى الطفل أباً حاضراً، وأماً منصتة، وأسرة تضع للهواتف حدوداً واضحة، فإنه يتعلم بالفعل أن التقنية وسيلة نافعة، لا سيداً متحكماً.
إن استعادة التوازن الرقمي مسؤولية أسرية وتربوية ومجتمعية، وليست مهمة فرد واحد، وإذا لم ننتبه اليوم إلى حجم الانغماس الذي يطوّقنا، ونضع ضوابط تحمي أطفالنا وأنفسنا، فقد نستيقظ غداً على أجيال تعاني آثاراً جسدية ونفسية عميقة، وتعيش في تيه رقمي سُرقت منه زهرة العمر ودفء الحياة. فالهاتف ينبغي أن يبقى في أيدينا، لا أن تصبح أيدينا رهينة له، والتقنية ينبغي أن تخدم الإنسان، لا أن تعيد صياغة إنسانيته على مقاس شاشتها.