عبدالعزيز صالح الصالح
يقول الحق تبارك وتعالى في محكم كتابه الكريم: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} سٌورة النَّساء آية (58).
وقَالَ تعالى:- {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} سُورة المؤمنون آية (8).
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قَالَ: (القتل في سبيل الله يكفِّر الذنوب كلها إلاَّ الأمانة.. قال: يؤتى بالعبد يوم القيامة -وإن قتل في سبيل الله- فيقال أدِّ أمانتك!! فيقول: أي ربِّ، كيف وقد ذهبت الدُّنيا؟ فيقال: انطلقوا به إلى الهاوية، وتُمثَّلُ له أمانته كهيئتها يوم دُفعت إليه فيراها فيعرفها، فيهوى في أثرِها حتى يُدركها، فيحملها على منكبيه، حتى إذا ظَّنَّ أنه خارج زلت عن منكبيه، فهو يهوى في أثرها أبد الآبدين، ثم قال: الصَّلاة أمانة، والوضوء أمانة، والوزن أمانة، والكيل أمانة، وأشياء عَدَّدَها، وأشدُّ ذلك الودائع). فالأمانة مطلب لكل عاقل، يعيش في مجتمع (ما) ويقوم بعمل (ما)، فالكل يبحث عن مبادئ الأمانة بشتَّى صورها، وإن فاقدها يعتبر الخاسر الأكبر سواء أدرك ذلك الضرر أم لا -فعلى سبيل المثال- لن ينجح الإنسان إلاَّ إذا كان أميناً في مجال عمله، ولن ينجح الطبيب إلاَّ إذا تحلى بالأمانة، ولن ينجح القاضي إلاَّ إذا اتصف بالأمانة، ولن ينجح العامل إلاَّ إذا التزم بمبادئ الأمانة، ولن ينجح الوكيل إلاَّ إذا نفذَّ مبادئ الأمانة، ولن ينجح المقترض إلاَّ إذا أدَّ مبادئ الأمانة... وهكذا.
فقد قال الشّاعر الحكيم:
يخونك من أدَى إليكَ أمانَةً
فَلَم ترعَهُ يوماً بِقَولٍ ولا فِعلِ
فَأَحسِن إلى من شِئتَ في الأرضِ أو أَسِئ
فَإِنَّك تُجز حَدْوَكَ النَعلَ بِالنَعلِ
يَرومونَ بالسَعيِ الَمراتِبَ و العُلا
وَرَبُّكَ يُهوي طالِبَ الَمجدِ أو يٌعلي
فكان نبي الأمَّة مُحمَّد بن عبدالله صلوات الله وسلامه عليه (يختار الأمناء لتكليفهم في كافة الأعمال المهمَّة، فعن حُذَيْفَة بن الْيَمَان رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- لأهل نجران لأبعثن عليكم أميناً حق أمين فأشرف أصحابه فبعث أبا عبيدة رضي الله عنه)، وقَالَ نبيِّ الأمَّة - المجلس بالأمانة، إلاَّ ثلاث مجالس: (مجلس سَفْكِ دَم حرام، أو فرجٍ حرام، أو اقتطاع مالٍ بغير حق) فالإنسان عندما يتأمل كلمة الأمانة بشكل عام فإنه يجد ضدها، كلمة خيانة، فهل يكون الإنسان الخائن ناجحاً، لا أحد يقول ذلك، بل الخيانة فهي الفشل وطريق الفشل الخائنون لقد ذمهم الباري عزَّ وجلَّ في كتابه الكريم بقوله: ({إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ). وقال تعالى: (أَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ).
فالخيانة من صفات المنافقين - كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا واعد أخلف وإذا اؤتمن خان. فمن أراد أن يكون ناجحاً في شأنه فعليه بالأمانة، وليحذر كل الحذر من مبادئ الخيانة، فهناك مبادئ محملة بالأخلاق والأفكار، والتساؤلات، والمشاعر المتضادة من الصدق، والأمانة، والحب، والطيبة، والشر، والتململ، والكراهية، والحقد، والحسد، والضغينة، صفات كالعسل تلتصق بالإنسان وبطبيعته الناقصة التي تنشد الكمال المزيف في كل وقت وفي كل عمر، حيث لا يحاول الالتفات إلى الوراء بل غالباً ما يهرول إلى المستقبل بأكبر قدر من المبادئ التي تجسده وهو قلق من الخوف من المجهول الَّذي لا يستطيع وصفه أو تخيله في لوحة هذه الدنيا المتداخلة بانتظام؟ فكل ما يفعله المرء هو انعكاس ما يتسلقه على حبال الأمل.
قَالَ الباري عزَّ وجلَّ في محكم كتابه الكريم:- (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً) سُورة الأحزاب آية (72) فقد قَالَ نبيِّ الأمَّة مُحمَّد بن عبدالله صلوات الله وسلامه عليه (عن التَّاجر الصدُوق الأمين مع النبيين والصِّدِّيقين والشهداء).
أمَّا اليوم فقد تبدل الحال الَّذي يعكس واقع كل مجتمع بكل ما فيه من هموم وآلام وآمال، وبكل ما فيه من تخلف ودمار وانحطاط عندما تفقد الأمانة بين البشر. فالأمانة كلمة واسعة المدلول تتسع تارة لجميع العلاقات ولا تشمل الودائع فقط وإنما تشمل العقائد والفرائض فهي جملتها إعطاء كل ذي حق حقه، لذا جعلها الباري عزَّ وجلَّ ركيزة الإيمان.
ومن معاني الأمانة وضع كل شيء في نصابه الجدير به، فلا يعطي منصبا للمرء الذي لا يستحقه، حتى لا تضيع مبادئ القيَّم فإن اسرار البشر أمانة، فإذا أفشيناها فقد خُنَّا الأمانة، فالعقل يعتبر أكبر أمانة فالعين أمانة، والأذن أمانة فعلى كل ذي لب سليم وعقل كبير أن ينظر إلى الأمانة، رأي العقل الرزين الحكيم العارف بمواطن الأمور، خلفيات الأمور، فالأمانة تُعدُّ من أهم دعائم الإسلام والتسمك بها علاج لكثير من المشاكل الاجتماعيَّة التي ترى في كثير من الأحيان.
فقد قال الإمام أحمد - لا إيمان لمن لا أمانة لَهُ، ولا دين لمِنْ لا عهد لَهُ.
وقال أحمد وأبو داود - أدِّ الأمانَةَ إلى من ائتمنك ولا تخن من خَانَكَ.