اللواء الركن م. سلامة بن هذال بن سعيدان
من الخيارات التي تتخذها أية دولة لدعم أمنها وحماية مصالحها العليا أن تلجأ إلى التحالف مع دولة أو أكثر لتضيف إلى قوتها قوة جامعة، تؤدي واجباتها وتنجز مهامها في مختلف المجالات الأمنية والعسكرية والسياسية تحت قيادة مشتركة أو مندمجة تمثل الجميع.
ومهما تعدّدت الخيارات فإن دمج القيادة أو توحيدها بين أطراف التحالف مرهون بحقيقة الدوافع إلى هذا التحالف وأهمها التقاء الأطراف المتحالفة على مصلحة مشتركة تتمثل في ردع العدو المشترك قبل أن يضع نفسه في المعترك ويضع دول التحالف على المحك، تفاديًا لتصعيد الموقف وتحول النزاع إلى صراع، والانحدار إلى درك المواجهة والدخول في متاهات الضياع.
وطالما أن الدافع إلى هذا التحالف هو مواجهة خطر مشترك فلا مناص من أن تتبع الأطراف المتحالفة إستراتيجية شاملة تستند إلى سياسة جامعة، يتم رسمها من قبل الأطراف المعنية مع التوفيق بين الإستراتيجية السياسية والإستراتيجية العسكرية للتحالف، الأمر الذي يتطلب من القائمين عليه السيطرة على الموقف والتوجيه الحازم للأنشطة السياسية والعسكرية المتفق عليها بما يضمن تنفيذها على أفضل وجه وأقل تكلفة.
وشكل التحالف ودرجة قوته أو ضعفه ترتبط بنوعية الدوافع الدافعة إليه، كما أن تقادم الزمن وثقافة المجتمع بالإضافة إلى عوامل أخرى، تتحكم في ردود أفعال أطراف التحالف حيال هذا الدافع الذي يتغير تأثيره مع تغير الزمن.
وتماسك التحالف وترابطه ودرجة الالتزام بين أطرافه تتوقف على شكل التحالف ونوعية القيادة التي تقوده، فالشكل الأدنى من التحالفات لا يتجاوز التعاون والتنسيق والشكل الأعلى يصل إلى الاندماج التام تحت قيادة مشتركة أو موحدة.
ومن الجدير بالذكر أن أهم ما يميز التحالفات العسكرية عن غيرها من التكتلات هو اعتمادها على الردع والدفاع عن النفس، مستندة في ذلك إلى مبررات شرعية واتفاقات دولية تمنح هذه التحالفات صفة قانونية من ناحية عسكرية طبقًا لمضمون المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة التي تعتمد فلسفتها على مشروعية الدفاع الجماعي عن النفس.
وفي هذا الزمن الذي تنامت فيه أزمات الشرق الأوسط والتقت فيه المشاريع الاستعمارية مع المشاريع العدوانية ضد المنطقة واستفحل فيه الإرهاب والصراع الهجين في ظل الأنظمة الإيديولوجية والوظيفية فإن المعاهدات الأمنية مع القوة الكبرى والتحالفات ذات المستوى المنخفض فقدت قيمتها ولم تعد قادرة على مواكبة الاحداث بسبب عدوان الأعداء وخذلان الحلفاء.
وترتيبًا على ذلك فإن الحدث الذي تناقله الإعلام في العالم كله وصار حديثًا على كل لسان هو اتفاق مكة للدفاع المشترك بين المملكة وباكستان وتركيا والذي ينص على أن أي اعتداء على دولة من الدول الثلاث يعتبر اعتداءً على الدول الأخرى بموجب هذا الاتفاق الذي ترتب عليه إقامة تحالف بين أطرافه على نحو يفرض عليها إيجاد قوة مشتركة تؤدي دورها الردعي والدفاعي من خلال تفعيل عناصرها واتخاذ الإجراءات اللازمة لاستدامة جهوزيتها ووضعها في حالة الاستعداد.
وما يميز هذه الاتفاقية أنها بقدر ما تمثل اتفاقا دفاعيا جديدا بقدر ما تعتبر إعادة صياغة للحسابات الإستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط التي انتقلت من مرحلة التعويل النسبي على الأمن من الخارج إلى بناء قوة ردع إقليمية من الداخل، حيث إن المبادرة بإقامة التحالف أتت من داخل الإقليم وليس من خارجه من قبل دول تحتل مكان الصدارة في العالم الإسلامي نظرًا لما تتميز به مواقعها الجغرافية وما تمتلكه من عناصر قوة وطنية ويتوافر لها من قوة السياسة وسياسة القوة.
والواقع أن الدول ذات السيادة التي تتمتع بالحرية وقوة الإرادة تحدد خيارها وترسم مسارها ثم تتخذ قرارها، متكيِّفةً مع أحداث الزمان ومستفيدة من طبيعة المكان كما هو الحال بالنسبة للمملكة وباكستان وتركيا التي جمعتها المرجعيات الدينية والضرورات الوطنية والتطورات الجيوسياسية وصح منها العزم لكي توازن أمنيًا وعسكريًا بين الشراكة والاندماج على شكل تكتل جماعي وتحالف دفاعي في سبيل الدفاع عن أمنها وحماية مصالحها العليا، متخذةً من قانونية الدفاع الجماعي عن النفس سلاحًا، واعتبار القيام بالردع عملًا مباحًا.