د. عبدالله علي بانخر
يشهد المشهد السينمائي السعودي في عام 2026 حراكًا ثقافيًا واقتصاديًا غير مسبوق، متجاوزًا مرحلة التأسيس ليدخل بقوة في طور النضج والتمكين السينمائي الشامل. هذا الحصاد لا يعكس فقط طفرة في لغة الأرقام وشباك التذاكر، بل يتعداه إلى طاقة تنظيمية هائلة في المهرجانات، وحوار نقدي جاد يبحث في ثنايا الهوية الفنية والصناعة المستدامة.
طفرة الملايين في شباك التذاكر.. الاستثمار الإنتاجي الجريء يغير قواعد اللعبة.كشفت البيانات الرسمية الصادرة عن هيئة الأفلام السعودية لحصاد الفترة من يناير وحتى منتصف أغسطس 2026، عن تسجيل إيرادات إجمالية لافتة بلغت 706.4 مليون ريال سعودي، جُمعت من خلال بيع 14.14 مليون تذكرة. هذه الأرقام تبرهن على تنامي القوة الشرائية والحس الاستهلاكي الرفيع للجمهور المحلي.وعند قراءة خارطة الأفلام الأعلى إيرادًا، نجد تقاسمًا مثيرًا للاهتمام بين الإبهار الهوليوودي والإنتاجات الإقليمية والمحلية:
الهيمنة العالمية: تربع فيلم الخيال العلمي الضخم The Odyssey (الأوديسة) على قمة شباك التذاكر، يليه فيلم الأبطال الخارقين Spider-Man: Brand New Day، وهو ما يوضح استمرار جاذبية سلاسل الأفلام العالمية الكبرى لدى جيل الشباب.
التاريخ السينمائي العربي: صنع فيلم 7Dogs (الكلاب السبعة) حدثًا استثنائيًا باحتلاله المرتبة الثالثة بإيرادات بلغت 46.5 مليون ريال (محققا أكثر من 22 مليون دولار عربيًا وعالميًا)، ليصبح رسميًا أعلى فيلم عربي تحقيقًا للإيرادات تاريخيًا في شباك التذاكر السعودي. الفيلم، المدعوم من الهيئة العامة للترفيه والمصور في الرياض بميزانية بلغت 40 مليون دولار، أثبت أن الاستثمار الإنتاجي الضخم (Blockbuster) عندما يلتقي مع جودة الإخراج يثمر تفوقًا تجاريًا يزاحم سينما هوليوود.السيادة المحلية والسينما العائلية: جاء فيلم شباب البومب 3 في المرتبة الخامسة محققًا 33.9 مليون ريال مع بيع 770.5 ألف تذكرة، مبرهنًا على القوة التجارية للمحتوى المحلي الممتد من الشاشة الصغيرة والولاء العائلي له. وفي السياق ذاته، أحدث الفيلم الكوميدي السعودي الجديد عكس سير، المدعوم من صندوق «بيج تايم»، صعودًا سريعًا محققًا أكثر من 3.5 مليون ريال في أسابيع عرضه الأولى.
حيوية المهرجانات الوطنية.. منصات التمكين وصناعة جيل سينمائي محترف
بالتوازي مع صخب دور العرض، يعيش الحراك السينمائي ورش عمل مستمرة لبناء بنية تحتية احترافية، تجسدت بشكل واضح في محطتين رئيستين:
1. مهرجان أفلام السعودية (الدورة الـ12): احتضنه مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء) بالظهران تحت شعار «سينما الرحلة»، محتفيًا بالسينما الكورية كضيف شرف. المهرجان لم يكن مجرد منصة عرض، بل تحول عبر «سوق الإنتاج» إلى معمل لدعم المشاريع قيد التطوير عبر تقديم 51 جائزة مالية وخدمية لصنّاع الأفلام والسيناريوهات.
2. العروض النوعية والمنصات البديلة: شهدت منصة «حي سينما» بجدة عروضًا مميزة ركزت على سينما الشارع والمخرجات السعوديات (مثل فايزة عمبه)، في حين سجلت حركة الحصاد المحتدم في الظهران تتويجًا لافتًا لجوائز النخلة الذهبية والتي توزعت على النحو التالي:
أفضل فيلم طويل: فيلم «هجرة».
أفضل فيلم قصير: فيلم «مجهول» للمخرج إبراهيم البكيري.
أفضل فيلم وثائقي: فيلم «ضباب البارود» للمخرج سعد طحيطح.
الاختراق الدبلوماسي السينمائي.. حضور سعودي إستراتيجي في المحافل العالمية
لا تتوقف الطموحات السينمائية للمملكة عند حدود الداخل؛ بل تمد جسورها بقوة نحو الخارطة الدولية لانتزاع اعتراف عالمي بالهوية الإبداعية السعودية وصياغة شراكات إنتاجية عابرة للقارات:
جناح المملكة في مهرجان كان السينمائي الدولي: سجلت هيئة الأفلام حضورًا لافتًا في «سوق الفيلم» بمهرجان كان، حيث تحول الجناح السعودي الموحد إلى مركز جذب للمستثمرين وصناع الأفلام العالميين، مستندًا على استعراض مواقع التصوير الطبيعية والتاريخية الفريدة في العلا ونيوم وتبوك، وتأكيد فاعلية برامج الحوافز المالية والخصومات التي تقدمها المملكة للاستوديوهات الأجنبية.
البناء المهني والترويج الثقافي: تجاوزت المشاركة في المحافل الدولية الكبرى (مثل مهرجانات فينيسيا وتورونتو وبرلين) مجرد الحضور البروتوكولي، لتشمل تنظيم جلسات حوارية رفيعة المستوى وعقد صفقات توزيع دولية للأفلام الطويلة والقصيرة، بما يضمن وصول الصوت السعودي إلى صالات العرض العالمية والمنصات الرقمية الكبرى.
صياغة معايير الأوسكار الوطنية: تماشيًا مع هذا التوجه العالمي، أعلنت هيئة الأفلام رسميًا عن إقرار الآليات والمعايير الدقيقة المعتمدة لاختيار وتصفية «الفيلم الروائي الطويل» الذي سيمثل المملكة رسميًا في سباق جوائز الأوسكار المقبلة، مما يضع شروطًا فنية صارمة ترفع من تنافسية السينما السعودية في المحافل النخبوية.
ميزان النقد والتحليل.. صراع السينما التجارية وطموح التميز المستقل
هذا الزخم الكمي والتجاري وضع النقاد والمتخصصين أمام مسؤولية تفكيك المشهد وقراءته فكريًا وفنيًا، حيث يمكن تلخيص الحوار النقدي لعام 2026 في ثلاثة محاور رئيسة:
الإشادة بالجودة التقنية: يرى النقاد أن دخول جهات مثل هيئة الترفيه وصندوق «بيج تايم» في تمويل إنتاجات ضخمة كـ 7Dogs قد قفز بالمعايير البصرية والسمعية للسينما العربية إلى مستويات هوليوودية، وأثبت قدرة الكوادر المحلية على إدارة بلاتوهات تصوير معقدة وعالمية.
مخاوف من طغيان الترفيه الاستهلاكي: في المقابل، شهدت ندوات مهرجان أفلام السعودية أصواتًا نقدية تحذر من هيمنة قوالب الكوميديا الاستهلاكية وأفلام الأجزاء (مثل شباب البومب) على صالات العرض لغايات ربحية بحتة. وتأتي مطالبات النقاد بضرورة موازنة كفة شباك التذاكر مع منح مساحات أكبر للأفلام الروائية الفنية والمستقلة، التي تحمل أبعادًا فلسفية واجتماعية عميقة تعبر عن الهوية السعودية الخالصة وتضمن منافسة المملكة في المحافل النخبوية العالمية.
الفيلم القصير والوثائقي كرهان مستقبلي أصيل: حظيت الأفلام الفائزة بالجوائز مثل «مجهول» و»ضباب البارود» بتقدير نقدي رفيع؛ إذ وُصفت بأنها «المختبر الحقيقي» لتطوير لغة سينمائية سعودية مبتكرة. وأشاد النقاد بجرأة المخرجين الشباب في الابتعاد عن التكرار والاصطناع، والذهاب مباشرة نحو قصص إنسانية ومحلية تلامس الوجدان.
بوصلة الربع الأخير من العام.. الطريق ممهد نحو المليار التاريخي الأول
بالنظر إلى وتيرة النمو المتسارعة والموسم السينمائي المنتظر في الربع الأخير من العام، فإن القراءة التحليلية للمؤشرات المالية والاقتصادية تضعنا أمام استشراف تاريخي غير مسبوق؛ حيث تُجمع التوقعات على أن شباك التذاكر السعودي يتجه بخطى ثابتة لكسر حاجز المليار ريال سعودي كإيرادات إجمالية قبل نهاية عام 2026. هذا المستهدف الرياضي، الذي كان بالأمس حلمًا بعيد المنال، بات اليوم واقعًا تفرضه حزمة الإنتاجات العالمية والمحلية الكبرى المجدولة للعرض، بجانب التوسع المستمر في البنية التحتية لعدد صالات العرض ومقاعدها عبر مدن المملكة، مما يحول السوق السعودي رسميًا إلى القوة الاقتصادية السينمائية الأولى والأسرع نموًا في منطقة الشرق الأوسط.
رؤية إستراتيجية للمستقبل.. تطلعات تحويل الطفرة الرقمية إلى خلود فني
إن السينما السعودية في عام 2026 تعيش أزهى فتراتها الإنتاجية والتنظيمية. وإذا كان شباك التذاكر قد أثبت نضج الصناعة استثماريًا وتسويقيًا، فإن التحدي القادم يكمن في تحويل هذا التفوق التجاري إلى حافز لولادة سينما فنية موازية، تملك الجرأة والعمق لتروي قصة الإنسان السعودي للعالم بكثير من الصدق والتميز الفني.