منصور بن صالح العُمري
لا أعني بالأخيرة وداعًا، وإنما قد تكون آخر رسائلي قبل توقّفٍ يطول؛ فقد كتبتُ كثيرًا، ولعل الوقت قد حان لأصمت قليلًا، وأتفرَّغ لتأمّل ما كنت أكتبه أحرفًا، لعل الله يعينني أن أكتبه في صحيفتي أعمالًا.
مرَّت تحت قلمي كلماتٌ كثيرةٌ؛ وعظتُ بها نفسي قبل غيري، واستوقفتني اليوم حقيقةٌ أخشى أن يكون السؤال عنها أعظم من السؤال عن جمالها:
كم من هذه الأحرف انتقل من قلمي إلى عملي؟
فالموعظة التي تبلغ القلوب، أولى القلوب بها قلبُ كاتبها، وما أخوفني أن أكون قد أحسنتُ وصف الطريق، ثم قصَّرتُ في السير فيه.
لذلك سأعود إلى ما كتبت، ولكن بعينٍ أخرى؛ لا بعين الكاتب الذي يفتش عن جمال العبارة، بل بعين العبد الذي يفتش عن أثرها في صحيفته.
ولأنها قد تكون رسالتي الأخيرة قبل هذا التوقف، فلي عندكم رجاءان: أن تمنحوها شيئًا من عناية تأمّلكم، وأن تمنحوني شيئًا من صالح دعائكم؛ أن يجعل الله ما كتبت شاهدًا لي لا عليَّ، وأن يعينني أن يكون ما بقي من عملي أصدقَ من قولي.
ثم وضع القلم قليلًا، وأرفع يدي إلى من كانت كلُّ الكلمات عنه وإليه، وأقول:
يا رب..
جئتُك لا أُحصي حسناتي، بل أُحصي تقصيري، ولا أُدِلُّ عليك بطاعة، بل ألوذ بك من ذنوبٍ لو أخذتني بعدلك فيها لهلكت، وإن أدركتني برحمتك نجوت.
اللَّهم إنَّ لك عليَّ حقوقًا كثيرةً فيما بيني وبينك؛ صلواتٍ لم أؤدِّها كما يليق بجلالك، وشكرًا لم يبلغ قدر نعمك، وذكرًا غلبته الغفلة، وطاعاتٍ خالطها النقص، وأيامًا أمهلتني فيها فقصَّرت، وسترتني فيها فأخطأت.
كلُّ ذلك يا رب أحصاه كتابك، ثم أبقيتني إلى هذه الساعة؛ لأرفع إليك يدًا طالما قصَّرت، وقلبًا طالما غفل، ولسانًا طالما أخطأ، وأقول:
يا رب.. ما كان لك منها فاغفره لي. فأنت صاحب الحق وأنت أهل العفو، وأنت الغني عن عذابي وأنا الفقير إلى مغفرتك؛ فاغفرها مغفرةً تمحوها من صحيفتي، وتسترني بها يوم تُبلى السرائر.
ولكن يا رب..
إن كان الرجاء يسكِّن قلبي فيما بيني وبينك، فإنَّ حقوق عبادك هي التي تُبكيني.
أخاف كلمةً قلتُها ثم نسيتُها وبقي وجعها في قلب صاحبها، وقلبًا كسرتُه ثم مضيت، وحقًّا أخَّرتُه، وواجبًا قصَّرت فيه، وموقفًا حسبتُني فيه محقًّا وكنتُ عندك مخطئًا.
وأخاف أكثر ما أخاف مظلمةً لا أذكرها وصاحبها لا ينساها، أو مظلمةً لا أعلم أنها مظلمة أصلًا، وهي عندك مكتوبة؛ لا يضلُّ ربي ولا ينسى.
يا رب..
كيف أستدرك ما نسيت؟ وكيف أعتذر عمَّا لا أعلم؟ وكيف أصل إلى من غاب أو رحل؟
وأين أذهب يوم تُفتح الصحائف، ويقوم الخصوم، ويطلب كلُّ ذي حقٍّ حقَّه، ولا دينار عندي ولا درهم، وإنما هي حسناتي التي جئتُ بها أرجو أن تكون مركبي إلى الجنة بعد لطفك ورحمتك؟
يا رب، لا تجعلني يوم ألقاك مفلسًا.
فما بصرتني فيه من حقوق عبادك فوفقني لأرده إليه ردًّا جميلًا، وأعنِّي على أدائه وجبر ما كسرت وإصلاح ما أفسدت.
وأمَّا ما نسيته، وما خفي عليَّ، وما عجزتُ عن بلوغ صاحبه..
فتحمَّله عني يا رب.
لا أسألك أن تُضيِّع حقَّه لتنجيني؛ حاشاك وأنت العدل، ولكنني أسأل الغنيَّ أن يُغنيه، والكريمَ أن يُرضيه، والجابرَ أن يجبره، والرحيمَ أن يرحمني وإياه.
أرضِه عني يا رب.. ثم ارضَ عني.
وقبل أن تُطوى صحيفتي، أعني على كل حقٍّ أستطيع أداءه، ودلَّني على كل قلبٍ أستطيع استرضاءه؛ فإذا انتهت استطاعتي، وبلغ عجزي منتهاه، وبقيت حقوقٌ لم يبلغها علمي ولا قدرتي..
فتولَّها أنت عني.
اللَّهم إن كان في صحيفتي ذنبٌ يحول بيني وبين الجنة فامحه بعفوك، وإن كان في عنقي حقٌّ لعبدٍ يحبسني عنها فأعنِّي على أدائه، فإن عجزت فأرضِ صاحبه عني من واسع فضلك.
وإذا جاءت اللحظة التي لا أستطيع بعدها أن أقول لأحد: سامحني، ولا أن أردَّ حقًّا، ولا أن أزيد في صحيفتي حسنة..
فكن أنت يا رب قد سبقتني إليها برحمتك.
يا رب، ما رفعتُ إليك هذا الدعاء لأنني أستحق، ولكن لأنك كريم؛ ولا رجوتك لقلة ذنوبي، ولكن لسعة رحمتك؛ ولا طرقت بابك بحسن عملي، ولكن بحسن ظني بك.
أنا عبدك الذي أثقلته حقوقك وحقوق عبادك، ثم نظر فلم يجد في الوجود كلِّه بابًا يهرب إليه منك..
إلا بابك.
فجاءك منكسرًا، خائفًا، راجيًا..
فلا تردَّه يا رب.
ولا ترد من كان حاله مثل حالي وسألك مثل سؤالي.