د. الجوهرة بنت فهد الزامل
في 2021 أُنشئت (إحسان) منصةً وطنيةً للعمل الخيري، مهمتها أن تجعل التبرع أسهل وأكثر تنظيماً وموثوقية. وبعد أكثر من خمس سنوات، تجاوزت عمليات التبرع فيها 440 مليون عملية، وبلغ إجمالي التبرعات نحو 17 مليار ريال، وارتبطت بها أكثر من 3600 جمعية.
وفي 20 أغسطس 2026 صدر الأمر الملكي الكريم بتحويلها إلى مؤسسة مستقلة غير هادفة للربح، بصلاحيات أوسع ودور معلن في دعم البرامج والخدمات والمنصات غير الربحية، والإسهام -بالتنسيق مع الجهات الحكومية والخاصة- في رفع كفاءة القطاع.
لكن المفارقة أن نجاح الأداة في أداء وظيفتها الأصلية بدأ يغيّر طبيعة الوظيفة نفسها، فحين تنجح منصة في اختصار المسافة بين المتبرع والجهة المستفيدة على هذا النطاق، فإنها لا تكتفي بتسهيل ما يفعله القطاع، بل تبدأ في التأثير في الطريقة التي يتوقع بها أطرافه أن تتم عملية العطاء. وهكذا لا يُنتج النجاح مزيداً من الاستخدام فقط، بل يخلق اعتماداً جديداً على البنية التي جعلت هذا الاستخدام ممكناً.
الأداة التي وُجدت لتسهيل ما يفعله القطاع لم تعد تكتفي بذلك، فقد بدأت تتحول إلى جزء من البنية التي يُعاد من خلالها تطوير القطاع نفسه، وحين تبلغ منصة هذا الحجم من العمليات والشركاء والثقة، يصبح وصفها بأنها (قناة تبرع) أقل تعبيراً عن الوظيفة التي أصبحت تؤديها فعلياً.
يمكن تسمية ما حدث: تحول الأداة إلى بنية، وهو تحول يحدث عندما تنجح أداة في حل مشكلة محددة إلى درجة تجعل وجودها جزءاً من العلاقات والتوقعات والوظائف التي تنظّم المجال الذي تعمل داخله، ولا يحدث هذا التحول لمجرد أن الأداة كبرت أو ارتفع عدد مستخدميها؛ فالحجم وحده لا يصنع بنية.
العتبة الحقيقية تظهر عندما يبدأ الآخرون في بناء سلوكهم وتوقعاتهم وعلاقاتهم على وجود الأداة نفسها، بحيث يصبح وجودها جزءاً من الطريقة التي يعمل بها المجال، لا مجرد وسيلة يمكن الاستغناء عنها دون أن يتغير شيء في طريقة عمله.
وهذا ما يفسر لماذا لم يعد وصف (منصة تبرع) كافياً، فالدور الذي أُعلن للمؤسسة الجديدة في تمكين الأفراد والشركات، ودعم المنصات الأخرى، وتوحيد الجهود التقنية، ورفع كفاءة القطاع، لا يعكس مجرد توسع في الخدمة الأصلية، بل انتقالاً من إدارة المعاملة إلى تطوير البيئة التي تنتج المعاملات.
الآلية تبدأ من شيء يبدو بسيطاً.
التقنية تجعل التبرع ممكناً على نطاق واسع:تبرع سريع يُوجَّه تلقائيًا إلى الحالات الأشد احتياجًا، تبرع دوري، حملات، سجلات أثر، وبوابة رسمية لتسجيل الجمعيات.
لكن تكرار الاستخدام على هذا النطاق يخلق شيئاً يتجاوز التقنية: اعتياداً مؤسسياً واجتماعياً على وجود بنية تجعل العطاء قابلاً للوصول والقياس والمتابعة. ومع الوقت تصبح هذه البنية جزءاً من توقعات الأطراف: المتبرع يتوقع سهولة الوصول، والجمعية تتوقع قناة منظمة، والمجتمع يتوقع شفافية أعلى.
وما يتشكل هنا ليس اعتماداً تقنياً فقط، بل اعتماد في التوقعات أيضاً، فالمنصات الناجحة لا تغيّر ما يستطيع الناس فعله فحسب، بل تغيّر ما يعدّه الناس طبيعياً ومتوقعاً. سهولة التبرع تصبح معياراً، وسرعة الوصول تصبح توقعاً، وإمكانية المتابعة والقياس تصبح جزءاً من تعريف الثقة نفسه، وبذلك تنتقل آثار الرقمنة من مستوى السلوك الفردي إلى مستوى المعايير التي تنظّم المجال من الداخل.
هكذا ينتقل مركز الثقل من إدارة المعاملة الواحدة إلى تطوير البيئة التي تنتج المعاملات، وكلما زادت قدرة المنصة على جمع العمليات والفرص والجمعيات داخل منظومة واحدة، اكتسبت قدرة أكبر على جعل ما كان متفرقاً قابلاً للرؤية والفهم والتنسيق. هذه القدرة لا تعني السيطرة، لكنها تعني أن البنية الرقمية أصبحت قادرة على كشف العلاقات التي كانت تعمل سابقاً في مساحات أكثر تشتتاً.
وهنا تتغير قيمة البيانات نفسها، فما كان في البداية أثراً جانبياً للمعاملات يصبح، مع تراكمه، مصدراً لمعرفة عن أنماط الطلب والعطاء وتوزيع الفرص والفجوات. ولا تعود قيمة البنية في قدرتها على تمرير المعاملة فقط، بل في قدرتها على جعل ما كان متفرقاً قابلاً للرؤية. وفي هذه اللحظة تنتقل الرقمنة من أداة لتسريع النشاط إلى أداة لفهم النشاط نفسه.
الرقمنة التي بدأت بسؤال: كيف نجعل التبرع أسهل؟ تواجه الآن مهمة مختلفة: كيف ندير الحجم الذي نتج عن هذه السهولة، وكيف نحول البيانات والعلاقات المتراكمة إلى قدرة على التنسيق ورفع الكفاءة ومنع تشتت الجهود. فالنجاح نفسه ولّد حاجة مؤسسية جديدة لم تكن موجودة عند التأسيس، وهي حاجة يمكن أن تظهر في قطاعات رقمية أخرى حين تبلغ منصاتها درجة عالية من الكثافة والاعتماد وتعدد الأطراف.
ويتقاطع هذا التحول مع مستهدف رؤية السعودية 2030 في رفع مساهمة القطاع غير الربحي، بما يضع تطور إحسان داخل مسار وطني أوسع لتمكين هذا القطاع وتعظيم أثره. فالأثر الأبعد للمنصة لا يكمن فقط في زيادة عدد العمليات التي تمر عبرها، بل في إعادة تعريف ما يمكن تنسيقه وقياسه وملاحظته داخل القطاع. وعندما تصبح العلاقات المتفرقة قابلة للرؤية ضمن بنية واحدة، تتغير حدود ما يمكن للمؤسسات أن تعرفه عن المجال، ومن ثم تتغير حدود ما يمكن أن تتعاون عليه. إن البنية الرقمية لا تضيف قناة جديدة إلى النظام فقط؛ أحياناً توسّع ما يستطيع النظام نفسه أن يراه.
وتظهر هنا مفارقة أعمق: كلما نجحت المنصة في تقليل الاحتكاك داخل العمل الخيري، زادت الحاجة إلى إدارة ما نتج عن هذا الانخفاض. فالسهولة لا تلغي التعقيد؛ إنها تنقله إلى مستوى أعلى، حيث تصبح إدارة الثقة والبيانات والحوكمة والشراكات أكثر أهمية، لأن حجم العمليات لم يعد يسمح بأن تبقى هذه الوظائف هامشية.
والأمر الملكي الكريم يربط التحول بالصلاحيات الأوسع والمرونة والاستدامة ومواكبة المتغيرات، بما يعكس انتقال المؤسسة إلى التعامل مع ما أصبح ممكناً بعد هذا الحجم، لا مع الحجم وحده. كما أن وضعها في موقع الداعم والممكّن للقطاع يجعل وظيفتها الجديدة أقرب إلى بناء قدرة مشتركة منها إلى استبدال الفاعلين داخله.
وهنا يتجاوز الاكتشاف الحالة الواحدة. بعض البنى الرقمية، حين تبلغ درجة عالية من الاستخدام والاعتماد وتعدد الأطراف، لا تبقى أدوات داخل المجال؛ بل تبدأ في تشكيل علاقاته وتوقعاته وطريقة عمله. وما يبدأ كحل تقني لمشكلة محددة قد ينتهي إلى إعادة ترتيب المجال نفسه حول البنية الجديدة.
الأداة تصبح بنية حين لا يعود الناس يستخدمونها فقط، بل يبنون توقعاتهم وعلاقاتهم وسلوكهم على وجودها، ومن تلك اللحظة، لا يعود تطورها شأناً تقنياً محضاً، لأن ما يتغير لم يعد الأداة وحدها، بل المجال الذي أعاد تشكيل نفسه حولها.