خالد آل دغيم
هل يمكن أن نبني صناعة سياحية تنافس عالميًا، بينما يظل الإعلام السياحي يتعامل معها بعقلية الخبر والتغطية؟ سؤال يستحق التوقف عنده ونحن نشهد التحولات المتسارعة التي يعيشها القطاع السياحي في المملكة.
فالسياحة السعودية لم تعد نشاطًا محدودًا أو قطاعًا هامشيًا، بل أصبحت إحدى الصناعات التي يعوّل عليها في تنويع الاقتصاد، وصناعة فرص العمل، وتعزيز حضور المملكة على خارطة العالم. مشاريع سياحية كبرى، ووجهات جديدة، واستثمارات ضخمة، وفعاليات عالمية، وتطوير مستمر للأنظمة بهدف استقطاب المستثمرين، إلى جانب دعم المستثمر الوطني، كلها مؤشرات على أن المملكة تتجه إلى مرحلة مختلفة في صناعة السياحة.
وفي ظل هذا التحول، لا يكفي أن تتطور الوجهات والمنشآت والفعاليات؛ بل يجب أن يتطور الإعلام الذي يقدمها للناس وللعالم.
فالخطأ الأكبر هو اختزال الإعلام السياحي في تغطية افتتاح فندق، أو حضور فعالية، أو نشر صورة لوجهة جميلة. تلك ممارسات إعلامية مهمة، لكنها لا تختصر مفهوم الإعلام السياحي. فالإعلام السياحي منظومة مهنية تقوم على المعرفة والمصداقية والتحقق وفهم السياحة والوجهة والسائح والاستثمار والثقافة والتراث وتجربة الزائر.
ومن هنا ينتقل دوره من نقل الخبر إلى صناعة الصورة الذهنية، فهو لا يكتفي بأن يقول: إن مشروعًا افتتح أو فعالية أقيمت، وإنما يشرح قيمة المشروع، وخصوصية المكان، وما يمكن أن يقدمه للزائر، وما الفرص التي يمكن أن يتيحها للمستثمر، وما الأثر الذي يمكن أن يتركه في المجتمع والاقتصاد المحلي.
وعندما تستقطب المملكة فعالية عالمية، فإن الحدث لا ينتهي بانتهاء الفعالية. هناك مدينة تستضيف، وتجربة يعيشها الزائر، وفرص اقتصادية، وحركة في الأسواق والمنشآت، وصورة تتشكل عن المملكة لدى جمهور واسع.
وهنا تبرز أهمية الإعلام السياحي الذي يستطيع أن ينقل الحدث من مجرد خبر إلى قصة متكاملة عن المكان والتجربة والإنسان.
والمملكة لا تملك وجهات سياحية فقط، بل تملك قصصًا كثيرة يمكن أن تصل إلى العالم. القرى التراثية، والمدن التاريخية، والمواقع الأثرية، والحرف والفنون والأطعمة والعادات والذاكرة الاجتماعية، كلها عناصر تمنح السياحة السعودية خصوصيتها.
السائح لا يبحث دائمًا عن مكان جميل فحسب، بل يبحث عن تجربة وقصة وشيء مختلف يتذكره بعد عودته، ولذلك يستطيع الإعلام السياحي أن يكون حلقة وصل بين التراث والسائح، وبين المجتمع والوجهة، وأن يقدم الثقافة والتاريخ باعتبارهما جزءًا من التجربة السياحية، وليس مجرد معلومات ترد في هامش التغطية.
كما أن التحولات التي تشهدها البيئة الاستثمارية تفرض على الإعلام السياحي دورًا آخر، فمع تطوير الأنظمة وتسهيل الإجراءات واستقطاب المستثمرين ودعم المستثمر الوطني، أصبح من المهم وجود إعلام يفهم السوق السياحية ويستطيع تقديم الفرص والتجارب والمشروعات بصورة مهنية بعيدة عن المبالغة.
المستثمر يحتاج إلى معلومات موثوقة، والسائح يحتاج إلى معرفة واضحة، والمجتمع يحتاج إلى وعي بأهمية السياحة، والعالم يحتاج إلى صورة حقيقية عن المملكة. وهذه كلها مساحات يستطيع الإعلام السياحي أن يسهم فيها.
ولم يعد السائح اليوم ينتظر حتى يصل إلى الوجهة ليكتشفها، لقد أصبح يتعرف إليها من هاتفه، ويشاهد صورها ومقاطعها، ويقرأ تجارب الآخرين، ويقارن بين الخيارات، ثم يتخذ قراره. ولهذا أصبحت الشاشة إحدى بوابات السياحة الأساسية، وأصبح المحتوى الذي يراه السائح قبل سفره جزءًا من تجربته السياحية.
وهنا لا يكفي أن ينتقل الإعلام السياحي إلى المنصات الرقمية؛ فالمطلوب هو تطوير طريقة التفكير نفسها. نحتاج إلى محتوى بصري، وقصص ميدانية، وتجارب حقيقية، وبيانات، وتحليلات، ومحتوى متعدد اللغات، والاستفادة من التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، مع المحافظة على أهم ما يملكه الإعلام: المهنية والثقة.
فالتحول الحقيقي هو الانتقال من التغطية إلى صناعة المعرفة. نحن بحاجة إلى إعلام يشرح لماذا تنجح وجهة، وما الذي يبحث عنه السائح، وكيف تؤثر الفعاليات في الاقتصاد المحلي، وكيف يمكن استثمار التراث مع المحافظة على أصالته، وما الذي يحتاجه المستثمر، وكيف يمكن أن تتحول التجربة السياحية إلى قيمة اقتصادية وثقافية.
وهنا يصبح الإعلام السياحي أكثر من ناقل للأخبار؛ يصبح جزءًا من منظومة صناعة السياحة نفسها.
ومع اتساع طموح المملكة في بناء صناعة سياحية تنافس عالميًا، فإن تطوير الإعلام السياحي لم يعد أمرًا يمكن تأجيله. نحتاج إلى إعلاميين يمتلكون أدوات الإعلام ويفهمون السياحة، ويعرفون الاقتصاد والاستثمار والثقافة والتراث وتجربة الزائر، ويستطيعون تقديم المملكة بلغة يفهمها الداخل ويجد فيها الخارج ما يستحق الاكتشاف.
فالسياحة العالمية لا تُبنى بالمشروعات وحدها، والصورة الذهنية لا تُبنى بالإعلانات وحدها.
المملكة تبني وجهات عالمية، وتستقطب فعاليات عالمية، وتفتح أبواب الاستثمار، وتعيد تقديم ثقافتها وتراثها للعالم، ومن الطبيعي أن تحتاج إلى إعلام سياحي يوازي هذا الطموح.
لذلك فإن السؤال لم يعد: هل لدينا إعلام سياحي؟
بل السؤال الأهم: هل لدينا إعلام سياحي قادر على مواكبة السياحة السعودية وهي تتجه إلى المنافسة العالمية؟