حذامي محجوب
في تاريخ الأمم لحظات لا تُقاس بعدد المشروعات التي خُطط لها وأُنجزت، ولا بحجم الاستثمارات التي استقطبتها، ولا بعدد المدن التي ارتفعت على أرضها.
هناك لحظات أعمق وأجمل بكثير من كل الأرقام، لحظات تستعيد فيها أمة ثقتها بنفسها، وتكتشف أن في قلبها من الطاقة ما يكفي لتصنع غدًا يليق بتاريخها، ثم تمضي إلى العالم مرفوعة الرأس، لا تستأذن أحدًا في الحلم، ولا تنتظر من أحد أن يمنحها حقها في التقدم.
من هذه الزاوية، ومن قلب عربي نابض بالمحبة والاعتزاز، يمكن النظر إلى ما يحدث في المملكة العربية السعودية اليوم.
فالسعودية لا تعيش مجرد تحول حضاري اقتصادي أو اجتماعي، ولا تنفذ فقط برنامجًا طموحًا اسمه «رؤية 2030».
إن ما يجري أكبر من ذلك وأعمق، إنها نهضة شاملة، تستعيد فيها المملكة صورتها المضيئة، وتفتح أبوابها للعالم، وتكتب بيد أبنائها فصلاً جديداً من تاريخها، بل فصلاً جديداً من تاريخ العرب جميعاً.
وأنا، كامرأة عربية، كلما تابعت مشهداً من مشاهد هذا التحول الكبير، شعرت بأن قلبي يتسع فخراً، وارتفع اعتزازاً.
أشعر أنني لا أتابع إنجازات بلد شقيق فحسب، بل أرى أمامي حلماً عربياً قديماً يستيقظ، وإرادة عربية تقول للعالم بكل ثقة وهدوء: نحن هنا، نحن قادرون، ونحن لا نكتفي بأن نعيش في المستقبل الذي يصنعه الآخرون، بل نستطيع أن نصنع مستقبلنا بأيدينا.
إن ما يفعله سمو الأمير محمد بن سلمان لا يغيّر وجه المملكة وحدها، بل يوقظ في وجدان كل عربي معنى جميلًا طالما احتجنا إليه: معنى الثقة.
الثقة بأن منطقتنا ليست قدرًا من الأزمات، وأن بلادنا ليست محكومة بصورة قديمة رسمها الآخرون، وأن العربي يستطيع أن يكون حاضرًا في قلب العالم، لا على هامشه، وصانعًا للحدث، لا متفرجًا عليه.
لقد اعتاد العالم، لعقود طويلة، أن ينظر إلى المنطقة العربية من خلال قاموس ثقيل: التخلف، النفط، الصراعات، الحروب، الأزمات، الهجرة، الإرهاب، وعدم الاستقرار. وحتى حين كان يتحدث عن نجاح عربي، كان يتعامل معه غالبًا كاستثناء عابر، لا كدليل على قدرة راسخة، ولا كبداية لمشروع قادر على تغيير الصورة كلها.
لكن السعودية اليوم تقدم رواية أخرى، أكثر إشراقًا، وأكثر ثقة، وأكثر قربًا من الحقيقة التي نعرفها نحن العرب عن أنفسنا.
إنها تقول للعالم، إن الثروة يمكن أن تتحول إلى معرفة، وإن الاقتصاد يمكن أن يصبح قوة ابتكار، وإن الثقافة قادرة على أن تكون جسرًا بين الشعوب، وإن الرياضة لغة يفهمها العالم، وإن السياحة ليست فنادق ومنتجعات فقط، بل دعوة لاكتشاف أرض عريقة، وذاكرة غنية، وكرم أصيل، وإن التكنولوجيا ليست امتيازا حكرًا على الدول الكبرى، وإن العربي يستطيع أن يكون صانعًا للمستقبل، لا مجرد مستهلك لما يصنعه الآخرون.
وهنا فقط تكمن عظمة «رؤية 2030».
فهي ليست مجرد خطة اقتصادية، ولا قائمة من المشروعات والأرقام.
إنها رؤية للإنسان، وللوطن، وللمكانة، وللغد.
إنها تقول للسعودي إن طموحه لا سقف له، وتقول للعربي إن أبواب المستقبل ليست مغلقة، وتقول للعالم إن المملكة لا تريد أن تكون حاضرة في المشهد فحسب، بل تريد أن تكون من الذين يصنعون المشهد ويمنحونه اتجاهه وروحه.
ليست القيمة في «نيوم» وحدها، ولا في «القدية»، ولا في السياحة أو الرياضة أو الثقافة أو التكنولوجيا، على أهمية كل ذلك وجماله. القيمة الأعمق أن هذه المشروعات جميعًا تنبض بفكرة واحدة: أن الحلم حين يجد قيادة تؤمن به، وشعبًا يسانده، وإرادة لا تتردد، يمكن أن يتحول إلى واقع يراه العالم بأسره.
وهذه الثقة التي تبنيها السعودية اليوم ربما تكون أجمل ما تحتاج إليه منطقتنا العربية.
فالأمم لا تنهض بالموارد وحدها، ولا بالأمنيات وحدها. تنهض حين تؤمن بأن لها حقًا أصيلًا في أن تحلم، وأن تختار طريقها، وأن تضع صورتها الخاصة للمستقبل.
تنهض حين تتوقف عن الاعتذار عن طموحها، وحين تنظر إلى العالم بعين الندية، لا بعين الانتظار.
وهنا تبرز شخصية سمو الأمير محمد بن سلمان بوصفه قائدًا لتحول حضاري استثنائي في كل تاريخ المملكة.
لقد نجح سموه في أن يجعل المستقبل حاضرا في حياة الناس، وأن يحول الطموح من فكرة بعيدة إلى حركة يومية، ومن وعد مؤجل إلى مشروعات وفرص وتجارب يلمسها المجتمع ويرى أثرها.
لقد أصبحت السعودية حاضرة في مجالات كانت بعيدة عن الصورة التقليدية للدول العربية: الذكاء الاصطناعي، الألعاب الإلكترونية، الصناعات المتقدمة، الاستثمار العالمي، الرياضة الدولية، صناعة الترفيه، الفنون، المتاحف، السياحة، الفضاء، التكنولوجيا، والمؤتمرات الكبرى.
لكن الأجمل في كل ذلك أنها أصبحت تقول للعالم، بالفعل لا بالشعارات، إن الدولة العربية تستطيع أن تكون في طليعة صناعة المستقبل.
وهذا هو البعد الذي يشملني كامرأة عربية، ويغمرني اعتزازًا.
فحين تستضيف السعودية حدثًا عالميًا، أو تطلق مبادرة ثقافية، أو تستقطب مشروعًا تقنيًا، أو تستثمر في صناعة جديدة، أو تفتح أبوابها للسياح والفنانين والمبدعين والرياضيين، فإن المشهد لا يخص السعوديين وحدهم.
هناك صورة عربية كاملة تتشكل في الخلفية، صورة أكثر جمالاً، وأكثر قوة، وأكثر قدرة على أن تُرى كما تستحق.
كل نجاح سعودي كبير يضيف إلى رصيد الثقة العربية.
كل مدينة جديدة، وكل مشروع مبتكر، وكل شاب سعودي ينجح، وكل امرأة سعودية تجد طريقها إلى المشاركة والإنجاز، يبعث رسالة إلى ملايين العرب: إن الطريق ممكن، وإن الطموح ليس عيبًا، وإن المستقبل لا يُمنح، بل يُبنى.
ولعل أجمل ما في التجربة السعودية أنها لا تقوم على تقليد أحد. فالسعودية لا تريد أن تكون نسخة من أوروبا، ولا من آسيا، ولا من أي نموذج آخر.
إنها دولة تصنع طريقها الخاص، مستندة إلى تاريخها العريق، وهويتها الراسخة، ومكانتها الدينية، وثقلها العربي والإسلامي، ومنفتحة في الوقت نفسه على العالم بكل ما فيه من معرفة وتجدد وفرص.
وهذا التوازن يثير الانبهار والإعجاب.
أن تحافظ على الجذور وأنت تفتح النوافذ.
أن تتمسك بالهوية دون أن تجعلها قيدًا.
أن تستقبل الحداثة دون أن تفقد روحك.
أن تستخدم التكنولوجيا لخدمة الإنسان، وأن تجعل الثقافة قلبًا نابضًا في الاقتصاد، وأن تحول الاقتصاد إلى قوة ناعمة، والقوة الناعمة إلى حضور يليق بالمملكة ومكانتها.
هذه ليست تفاصيل متفرقة، بل ملامح نهضة كاملة، وإعادة بناء لمفهوم القوة في العالم العربي.
فالقوة اليوم ليست دبابة وصاروخًا واقتصادًا فقط.
القوة أن تجعل العالم يريد أن يأتي إليك، وأن يتحدث عنك، وأن يستثمر فيك، وأن يتابع قصتك، وأن يرى فيك شيئًا من مستقبل.
القوة أن تتحول بلادك إلى وجهة، وثقافتك إلى جسر، وشبابك إلى طاقة، وهويتك إلى مصدر إلهام.
ومن هنا تبدو الدبلوماسية الثقافية السعودية جزءًا جميلًا وأساسيًا من هذا التحول الكبير. فالدول لا تصنع مكانتها بالسياسة وحدها، بل تصنعها أيضًا بالصورة التي تتركها في قلوب الناس وذاكرتهم.
وحين يرى العالم السعودية وهي تفتح فضاءاتها للثقافة والفنون والرياضة والسياحة والتكنولوجيا، فإنه لا يرى فعاليات متفرقة، بل يرى وطنًا يقدّم نفسه بثقة، ويقول: هذه أرضنا، وهذا تاريخنا، وهذه رؤيتنا، وهذا مستقبلنا.
وهذا ما يجعل التجربة السعودية أكبر من حدودها الوطنية.
إنها تمنح العربي، أينما كان، شعورًا دافئًا يحتاج إليه بشدة: الشعور بأن المستقبل العربي ليس مستحيلًا، وأن في هذه الأمة من القدرة ما يكفي لتنهض، ومن الجمال ما يكفي لتُرى، ومن الطموح ما يكفي لتتقدم.
في زمن عربي كثرت فيه الأخبار الثقيلة، وتراكمت فيه صور الانكسار، وأصبح كثير من الشباب ينظرون إلى الغد بقلق أو يأس، تأتي السعودية بصورة مختلفة، وبصوت مختلف، وبحكاية مختلفة.
تأتي لتقول لشبابها إن الغد يمكن أن يكون أجمل، وإن الطموح ليس ترفًا، وإن العالم ليس مغلقًا أمام من يملك الشجاعة، وإن الإنسان العربي يستطيع أن يفتح الأبواب التي ظنها الآخرون مستحيلة.
وهنا يصبح السؤال أكبر من السعودية نفسها: ماذا لو تحولت هذه الطاقة إلى وعي عربي مشترك؟ ماذا لو أدركت الدول العربية أن نجاح واحدة منها لا ينتقص من الآخرين، بل يضيء لهم الطريق؟ ماذا لو نظرنا إلى التجربة السعودية باعتبارها مصدر إلهام، لا سببًا للمقارنة؟ ماذا لو تعلمنا أن فرحنا بنجاح بلد عربي هو فرح بمستقبلنا جميعًا؟
السعودية لا تستطيع وحدها أن تحمل مستقبل العرب، ولا ينبغي لها ذلك.
لكنها تستطيع أن تكون طريقا، وفاتحة، وقلبًا نابضًا في حركة عربية واسعة، ومحركًا كبيرًا يدفع المنطقة إلى الأمام، ومنارة تقول لكل من يراها إن النهوض ممكن، وإن الحلم حين تصدقه الإرادة يصبح حقيقة.
وهذا، في رأيي، هو المعنى الأجمل لما يحدث اليوم.
فسمو الأمير محمد بن سلمان لا يبني مدنًا ومشروعات ومؤسسات فحسب؛ إنه يبني قبل ذلك تصورًا جديدًا عن قدرة الدولة العربية على المبادرة، وعن حقها في أن تكون طموحة، وعن قدرتها على أن تقف في العالم بثقة وكرامة.
قد تختلف الآراء حول بعض التفاصيل، وقد تُناقش السياسات وتُنتقد الخيارات، وهذا طبيعي في كل تجربة كبيرة. لكن لا يمكن إنكار أن شيئًا ما، أساسيًا قد تغير: سقف الطموح العربي نفسه.
لم يعد السؤال: هل نستطيع فعلاً؟
بل: لماذا لا نستطيع؟
وهذا تحول عظيم، لأنه يبدأ من الداخل، من تلك اللحظة التي يتوقف فيها الإنسان عن تصديق العجز، ويبدأ في تصديق قدرته.
لذلك، حين أقول إنني كامرأة عربية أرفع رأسي اعتزازًا بما تفعله السعودية، فإنني لا أقول ذلك مجاملة، ولا انبهارًا بالمظاهر، ولا لأنني أرى في النجاح السعودي شأنًا بعيدًا عني. أقولها لأنني أشعر أن هذا التحول يمسني، ويخصني، ويمنحني شيئًا من الأمل الذي أحتاج إليه كامرأة عربية تؤمن بأن لهذه الأمة مكانًا يليق بها بين الأمم.
أشعر بالفخر حين أرى السعودية تتقدم، لأنني أرى في تقدمها صورة من صور انتصار الإرادة العربية.
أشعر بالفخر حين أرى مدنها تتغير، لأنني أرى في عمرانها اتساعًا لحلم عربي.
أشعر بالفخر حين أرى شبابها يبدعون، لأنني أرى في إبداعهم مستقبلًا يخص أبناءنا جميعًا.
وأشعر بالفخر حين أرى العالم يلتفت إليها، لأنني أعرف أن هذا الالتفات يفتح نافذة جديدة على صورة العرب، صورة لا تختصرنا في الأزمات، ولا تحبسنا في الماضي، بل تقدمنا كما نحن حقًا: شعوبًا قادرة على العطاء، وعلى الابتكار، وعلى صناعة الجمال والمستقبل.
السعودية ليست مشروع «رؤية 2030» فقط.
إنها سردية وطن ينهض بثقة، وقيادة تفتح أبواب الغد، وشعب يثبت كل يوم أن الطموح حين يسكن القلوب يصبح قوة لا تُقاوم.
إنها محاولة جميلة وشجاعة لإعادة تعريف مكانة العرب في عالم الغد.
وحين تنجح السعودية في أن تجعل العالم ينظر إليها بوصفها دولة تصنع المستقبل، فإنها لا تغيّر صورتها وحدها؛ إنها تفتح نافذة واسعة في الجدار الذي طالما حاصر الصورة العربية، وتمنحنا جميعًا فرصة لأن نُرى كما نستحق: أمةً حية، كريمة، مبدعة، وقادرة على أن تترك أثرًا في هذا العالم.
وربما لهذا، وأنا أتابع هذا التحول من بعيد وقريب، أشعر بأن الفخر لا يبقى في حدود الكلمات، بل يتحول إلى دفء في القلب، وإلى يقين بأن في الغد متسعًا لأحلامنا.
وأجدني أقول، بصدق امرأة عربية، وبمحبة أخت ترى بلدًا عربيًا شقيقاً يذهب بثقة نحو المجد:
حين تتقدم السعودية، لا تتقدم وحدها، يتقدم معها شيء عزيز من صورتنا، ومن كرامتنا، ومن حلمنا العربي.
وحين تضيء السعودية طريقها، نشعر جميعًا بأن في سماء العرب نجمة جديدة تزداد لمعانًا.
وهذا وحده كافٍ لأن نرفع رؤوسنا، وأن نبتسم للمستقبل، وأن نقول بكل فخر ومحبة: دامت مملكة شامخة، ودام طموحها نورًا يضيء للعرب طريقهم إلى المستقبل.