أ.د.عثمان بن صالح العامر
تقول كتب السيرة والتاريخ إن رسولنا المصطفى ونبينا المجتبى محمد بن عبد الله -عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم- هاجر من مكة إلى المدينة المنورة في شهر ربيع الأول من السنة الثالثة عشرة للبعثة (الموافق لعام 622 ميلادية). وقد خرج من مكة ليلة 27 صفر، ووصل إلى قباء في 8 ربيع الأول، ودخل المدينة المنورة في 12 ربيع الأول. وحين نستحضر هذا الحدث العظيم ، فإننا لا نستحضر حدثًا تاريخيًا غيّر مسار البشرية فحسب، وإنما نستحضر مدرسة متكاملة في الإيمان والتخطيط والأخذ بالأسباب والتوكل على الله.
إن الهجرة النبوية تعد من أوضح المواقف التي تكشف لنا حقيقة التوكل؛ فالنبي -صلى الله عليه وسلم- وهو أكمل الخلق توكلًا على ربه، لم يترك الأسباب بحجة أن الله ناصره، ولم يعتمد على الأسباب وكأن النجاة متوقفة عليها. لقد جمع بين الأمرين في صورة بالغة الدلالة، حيث أعدّ للرحلة إعدادًا دقيقًا، وجُهِّزت الراحلتان، وصُنع الزاد، واستُعين بالدليل الخبير بالطرق، واختير غار ثور للاختباء، وكان عبد الله بن أبي بكر -رضي الله عنهما- يأتيهما بالأخبار، وكان عامر بن فهيرة يأتيهما بالغنم، كما أنه -عليه الصلاة والسلام- سلك طريقًا غير الطريق المعتاد إلى المدينة. هذه التفاصيل ثابتة في صحيح البخاري، وتكشف أن الهجرة لم تكن اندفاعًا عاطفيًا، وإنما كانت مشروعًا محكمًا في التخطيط والأخذ بالأسباب. ومع ذلك كله، لم يتعلق قلب النبي -عليه الصلاة والسلام- بالأسباب وحدها. وهنا تكمن عظمة المشهد.
عندما وقف الخطر على باب الغار، وقال أبو بكر -رضي الله عنه-: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، لم يقل الرسول الأمين -عليه الصلاة والسلام-: إن الغار سيحمينا، أو إن الخطة محكمة، أو إن الدليل سيقودنا إلى بر الأمان، وإنما قال كلمته التي تلخص فلسفة التوكل كلها: (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا).
إنها ليست دعوة إلى إلغاء الأسباب، وإنما إعلان عن الحقيقة الكبرى: الأسباب لا تعمل بذاتها، وإنما تعمل بإذن الله. ومن هنا نستطيع أن نفرق بين ثلاثة نماذج من الناس:
- المتواكل وهو الذي يترك الأسباب ثم يسمي تركه لها توكلًا. يريد النجاح دون عمل، والشفاء دون علاج، والرزق دون سعي، والإصلاح دون جهد، ثم يقول: أنا متوكل على الله. وهذا ليس توكلًا، وإنما عجزٌ يختبئ خلف كلمة جميلة.
- أما من يعوّل على الأسباب فهو على الطرف الآخر؛ يعمل ويخطط ويدرس ويجتهد، لكنه يعتقد في قرارة نفسه أن النتيجة صنعتها الأسباب وحدها. وهذا أيضًا خلل؛ لأن الإنسان قد يفعل كل ما يستطيع ثم تأتي النتيجة على غير ما أراد.
- أما المتوكل الحقيقي فهو الذي يأخذ بالأسباب وكأنها مطلوبة منه، ويعلق قلبه بالله وكأن الأسباب لا شيء من دون توفيقه. يخطط، لكنه لا يعبد الخطة. يستعين بالطبيب، لكنه لا يعتقد أن الطبيب يملك الشفاء. يطلب الوظيفة، لكنه لا يعتقد أن الإنسان الذي سيوقع قرار التعيين يملك رزقه. يدرس ويجتهد، لكنه يعلم أن النجاح فضل من الله بعد بذل السبب. وهذا هو الدرس الذي تقدمه لنا الهجرة بكل وضوح. ولعل أجمل ما في هذا الدرس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يستطيع أن يحقق الله له النجاة بمعجزة خارقة، لكنه اختار سبحانه أن يعلم أمته أن السنن الكونية لها اعتبار، وأن الأخذ بالأسباب جزء من العبادة، وأن المعجزة ليست بديلًا عن المسؤولية. ومن هنا فإن المشكلة ليست في أن نأخذ بالأسباب، وإنما في مكان الأسباب داخل قلوبنا. اجعل السبب في يدك، ولا تجعله في قلبك. اعمل، وخطط، واستشر، وتعلم، واحتط، وابذل أقصى ما تستطيع، لكن لا تمنح الأسباب سلطة لا تملكها. فالذي يملك النتيجة هو الله. والذي يملك التوفيق هو الله. والذي يحول الخطة إلى نجاح هو الله. والذي يفتح الطريق حين تضيق الطرق هو الله. وهكذا كانت الهجرة: أخذًا بالأسباب منتهى الأخذ، وتوكلًا على الله منتهى التوكل. وبين المتواكل الذي ترك السبب، والمتعلق بالسبب الذي نسي المسبب، يقف المتوكل الحقيقي؛ يعمل بجد، ويثق بالله، ويطمئن إلى حكمته، فإن جاءت النتيجة كما أراد حمد الله، وإن جاءت على غير ما أراد رضي بحكم الله، لأنه أدى ما عليه، وفوض ما ليس بيده إلى من بيده كل شيء. اللهم ارزقنا حسن التوكل عليك، وإلى لقاء والسلام.