نجلاء العتيبي
الكرمُ من أكثر الصفات التي يختلف الناس في فهمها؛ فكثيرون يحصرونه في المال، مع أن المال ليس إلا أحد أبوابه، وقد يكون أضيقها، فالإنسان قد يمنح وقتًا، أو علمًا، أو كلمةً تحفظ كرامة غيره، أو فرصةً تُغيّر مستقبلًا، أو عفوًا يطوي خصومةً كان يمكن أن تمتدَّ سنوات، لكل صورة من هذه الصور قيمة لا تقلُّ عن قيمة العطاء المادي؛ لأن الكرم في جوهره ليس حجم ما يُقدَّم، وإنما مقدار ما يتركه في حياة الآخرين.
ولهذا كان للكرم وجوهٌ متعددةٌ؛ فهو يتشكَّل بحسب حاجة الناس، لا بحسب رغبة صاحبه في الظهور، فقد يحتاج إنسان إلى من يُصغي إليه أكثر من حاجته إلى المال، ويحتاج آخر إلى مَن يفتح له باب عملٍ، ويحتاج ثالث إلى مَن يحفظ غيبته، أو يستر عثرته، أو ينسب الفضل إليه أمام الناس، تلك صور لا تُلتقط لها الصور، ولا تُقام لها الاحتفالات، ومع ذلك تبقى أطول عمرًا من كثير من الهبات التي يتحدَّث عنها أصحابها طويلًا.
أما المباهاة فلا تعرف إلا وجهًا واحدًا؛ أن يتحوَّل العطاء إلى وسيلة لإبراز الذات، عندها لا يعود السؤال: ماذا احتاج الآخر؟ وإنما: ماذا سيقول الناس عني؟ وهنا يفقد الكرم روحه؛ لأن المقصود لم يعُد النفع، وإنما صناعة صورة برَّاقة يتأمَّلها صاحبها في أعين الآخرين، وما كان وسيلة لرفع المحتاج يصبح أداةً لرفع المكانة الشخصية.
ولذلك قد يُعطي شخص قليلًا فيترك أثرًا عظيمًا، بينما يُنفق آخر كثيرًا ولا يبقى من عطائه إلا الضجيج؛ فالزمن يُسقط الأرقام سريعًا، ويُبقي المواقف التي حفظت كرامة الإنسان، وكثير ممن غيَّروا حياة الناس لم يكونوا أصحاب ثرواتٍ، وإنما كانوا أصحاب نفوس أدركت أن الإنسان قد يحتاج إلى الاحترام كما يحتاج إلى الرغيف.
والمباهاة لا تُسيء إلى المحتاج وحده، وإنما تظلم صاحبها أيضًا، فهي تجعل قيمة العمل مُعلَّقة بتصفيق الآخرين، فإذا غاب التصفيق خبا الحماس، وأصبح الخير موسمًا لا خُلُقًا، أما الكريم الحقيقي فيستمر لأن دافعه لا يتغيَّر بتغيُّر ردود الأفعال، وينطلق من قناعة راسخة بأن قيمة الفعل كامنة فيه.
ومَن يتأمَّل سِيَر الناس يُدرك أن أكثر الأسماء بقاءً ليست التي أعلنت عطاياها، وإنما التي تركت آثارها تتحدَّث عنها؛ فالأثر الصادق يجد طريقه وحده، أما الضجيج فيحتاج دائمًا إلى مَن يُعيد إنتاجه حتى لا يختفي، ولهذا تنطفئ المباهاة بانصراف الأنظار، ويبقى الكرم؛ لأنه يجد موطنه في الضمير قبل الذاكرة.
إن المجتمعات لا تُبنى بكثرة ما يُنفق، وإنما بطريقة الإنفاق، ولا تسمو بحجم المبادرات وحده، وإنما بما يصاحبها من احترام لكرامة الإنسان، فاليد التي تُعطي دون أن تُشعر الآخر بثقل العطاء تمنحه أمرين معًا: المنفعة، وصون النفس.
أما اليد التي تمنح ثم تُذكِّر، أو تُظهر، أو تنتظر المقابل المعنوي، فإنها تنتزع من عطائها جزءًا من قيمته، وحين يستقرُّ الكرم في النفس، يتجاوز حدود العطاء ليصبح طريقةً في النظر إلى الناس، عندها يغدو احترام الإنسان أعظم الهبات، وتبقى المباهاة حبيسة وجهها الوحيد؛ ترى صورتها في كل فعل، ولا ترى الإنسان الذي وُجد الفعل من أجله.
ضوء
“الكرم هو اللغة التي يسمعها الأصمُّ ويُبصرها الأعمى”. - مارك توين.